أحلام صغيرة

نمْر فيّاض.. وحلْم «فلّاح الغد» بحنْطة «ابنة الفرات»

بدأ حلْم الطفل السوري نمر عبد السلام فيّاض ابن الـ10 أعوام من مخيّم للنازحين السوريّين على مقربة من الحدود اللبنانيّة - السوريّة في البقاع الشمالي.. في رحلة عشقه للأرض والتراب، ومنها استمدّ إيمانه، وبلهجته «الرقّاويّة» يقول لـ«البيان»: «حلمي ارجع لبلدي أتعلّم وصير فلّاح، ونعمّر بيوت أهلنا، وما تجي الحرب خالص».

في ملامحه يتجلّى صمْت الكبار، المكابر عند الملمّات.. ولا حديث هنا عن طفلٍ يمكن «خنْق» طفولته بأسئلة ملغومة لا تخصّ عالمه. فإنْ تحدّث، يتفوّه بعبارات يقولها الكبار عادةً، كمن «نضجت» قبل الأوان، تماماً كحبّة الحنْطة «غادي» (هناك)، في إحدى بلدات الرقّة السوريّة «ابنة الفرات»، والتي تملأ عليه حضوره هنا، وتحديداً في مخيّم للنازحين السوريّين على مقربة من الحدود اللبنانيّة - السوريّة في البقاع الشمالي، حيث الخيمة الجاثمة على أكوام من ضيق الحال والأحلام المؤجّلة، وحيث تتراكم مطالب الصغار بكتاب ولعبة وثوب عيد، ويرنو الكبار لستْر ولقْمة وحليب.

من السنبلة المليئة التي تطعِم جوقة عصافير كاملة، وفق توصيفه، معطوفاً على قلقه من أنّ ما من أحد هناك ليطعم الطيور، بدأ حلْم الطفل السوري نمر عبد السلام فيّاض في رحلة عشقه للأرض والتراب، ومنها استمدّ إيمانه بأنّ «الله معنا»، وإصراره على القول لـ«البيان» بلهجته «الرقّاويّة» العفويّة: «حلمي ارجع لبلدي أتعلّم وصير فلّاح.. افلح غاع (قاع/‏ أرض) هلي (أهلي)، وأزرعها حنْطة، وكلّ شي أزرعها.. المهمّ نرجع لبلدنا، ونعمّر بيوت أهلنا، وما تجي الحرب خالص».

عشْق التراب والفرات

«سوريا جنّة»، و«أيامها مكلّلة بالبركة».. عبارتان يكرّرهما ابن الـ10 أعوام بسرعة سرده للحروف الأبجدية، مستقياً مفرداته من المدى الممتدّ أمام ناظريه، بدءاً من «المسْكبات» المزروعة بالنعناع والـ«بقتنوز» (البقدونس) والخسّ قبالة خيمة عائلته، والتي استلهم منها حبّه للتراب وتجربته الأولى في الزراعة، مروراً بالخيمة نفسها التي يقول عنها «ما نريدها»، ووصولاً إلى أرض المخيّم القائم على أرض «بلاد اللجوء ما نريدها كمان».. وبين طيّات هذه المفردات، يفاخر بكوْن «الجيران» يطلقون عليه اسم «الفلاح الرقّاوي»، ولا يتردّد في إرفاق مفاخرته بعبارة تختصر ما يجول في باله الطفوليّ: «هناك التعليلات غير.. علوّاه (يا ريت) بسْ ارجع واقعد على شطّ الفرات وأشمّ هواه ويلفلفني بحضينو».

وهكذا، بكلّ بساطة، من عشْق تراب الرقّة وهواء فراتها إلى «الله معنا»، تتحرّك مفردات نمْر في أرجاء المكان الذي قصدته عائلته مرغمة منذ 4 سنوات، حيث المخيّم أرض منفى، وفي ذاكرته الطريّة مشهد الحصّادين ودارسي القمْح بين أغمار المواسم على بيادر البركة، وعبق القشّ والتبن الأصفر، وعرانيس الذرة، والطماطم الحمراء «من أرضْها، بلا حاجة لغسْلها»، وشتول «المقتي» في مواسمها.. وبعد هذه السنوات، كبر «صبيّ البيادر» معبّأ الروح من إيقاعات الأرض ونبْض الفصول والمواسم.

طفولة ملتاعة.. وأمل

أمّا ذكريات الحرب، فجعلت منه أربعينيّاً جديّاً، يعرف عن الوطن أكثر بكثير ممّا اختبره الكبار، يحمل وجع النزوح على كفّ، وعلى كفّه الأخرى حلم الطفولة الملتاعة من قوْل أحد أترابه «الحلبيّين» له يوماً: إشْ بياخدك ع الرقّة، قَفرة نَفْرة.. كنّي جنّيت انت؟!.. ولا همّ في حسابات طفلٍ يردّد دوماً أنّ أرض الرقّة «غالية»، وهو غير مدركٍ للظلم التاريخي الذي لحق بها من قبل أن تصلها الحروب بعقود، الظلم الذي حوّلها في أذهان كثيرين إلى صحراء «قفرة نفرة»، وحرص على تحويل مفردة «شوايا» إلى «سُبّة» مهمّتها الانتقاص من قدْر الرقّيين. وما قصّته إلا انعكاس لتربية حقيقيّة، موثّقة بالصوت والصورة، رغماً من «ميزان» السياسة وغبار الحروب، ورغماً من خيمة النزوح التي يرقد فيها مقهوراً، لا متسوّلاً أو منكوش الشعر ومنعوف الملبس، متحدّثاً عن «المنكوش» وعن «السرارة» التي تسند الحجارة الكبيرة، وراجياً أن يتحقّق حلمه، الذي ورثه «أبّاً عن جدّ»، بأن يصبح فلّاحاً في «قاع» أهله، «غادي»/‏ هناك، يكابد وراء محراثه والغلال.

طباعة Email