سعيد المنصوري مهندس عالمي بتحليل الصور الفضائية

لم يكن الكثير من الشباب الإماراتي المتخصص في علوم هندسة الاتصالات والفيزياء والرياضيات، يتوقعون للحظة أنهم سوف يحملون على عاتقهم حلم الدولة للولوج إلى عالم الفضاء، بمشروعات كبيرة وضخمة يتحدث عنها العالم اليوم فخراً واعتزازاً، ويكونون نواة هذا الحلم الكبير الذي أصبح حقيقة بفضل التمكين الكبير الذي وفرته الدولة الذي أفرز كوادر مواطنة متخصصة دخلت العالمية.

من بين هؤلاء الشباب، تخصص المهندس سعيد المنصوري باستخلاص البيانات المرسلة من الأقمار الصناعية وتفنيد معطيات صورها لتوفير معلومات متخصصة، تساعد مختلف الجهات والمؤسسات الوطنية، في إدارة ورسم مستقبل مشروعاتها، استشرافاً للخمسين عاماً المقبلة وتقديم نجاحات جديدة للوطن.

المهندس المنصوري هو واحد من كثيرين متميزين داخل مركز محمد بن راشد للفضاء، سرعان ما تكتشف عند حديثك معه، أنك أمام نموذج لتجربة فريدة من النجاح بدأت فصولها قبل 11 عاماً عندما تخرج في جامعة خليفة متخصصاً في هندسة الاتصالات، التي فتحت له الطريق للانضمام لكوادر المركز، الذي بدأ لتوه مرحلة مهمة من تاريخ الوطن في استشراف قطاع فضاء إماراتي بكوادر وطنية، أصبحت مسؤولة ومشاركة في مشروعات تصنيع وتصميم أقمار صناعية، التي كانت باكورة خطة الدولة في هذا القطاع المهم.

رحلة طويلة

لم يكن يدرك المنصوري أن أمامه الكثير ليقدمه خلال السنوات اللاحقة، حيث بدأ مهمته في قسم معالجة الصور الفضائية بمحطة المراقبة الأرضية، لتبدأ رحلة طويلة امتدت لسنوات في هذا التخصص، حصل خلالها على الماجستير في هندسة الإلكترونيات من الجامعة الأمريكية في الشارقة، فيما يكمل حالياً دراسة الدكتوراه في علوم الكمبيوتر من الجامعة البريطانية في دبي، فضلاً عن ذلك فإن التميز كان حليفاً له طوال مشواره المهني على المستوى العالمي، خاصة عندما استطاع تطوير تطبيق مبتكر يعتمد على تقنية الذكاء الاصطناعي لاستخراج السفن والطائرات والمباني وأشجار النخيل، من صور الأقمار الاصطناعية بشكل اتوماتيكي بدون تدخل العنصر البشري، والذي حصل من خلاله على ترتيب متقدم في مسابقة عالمية، شارك فيها عدد من وكالات الفضاء العالمية ومراكز أبحاث إلى جانب جامعات وكليات متخصصة في علوم الفضاء.

50 بحثاً

هذا الإنجاز الكبير سبقه عمل كثير ومهم استغرق منذ بداياته سنوات طويلة التي بلغت العشر، لكنها كانت حافلة بالتميز والإنجاز أيضاً، حيث عمل على إعداد أكثر من 50 بحثاً علمياً معتمداً في مجال الاستشعار عن بعد ومعالجة الصور الفضائية ونظم المعلومات الجغرافية بالإضافة إلى عدد من الأوراق البحثية في مجال الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية.

وبقدر من الحنين والفخر في الوقت ذاته يتذكر المهندس المنصوري أحد أهم المواقف التي عاصرها وتركت أثراً إيجابياً لا ينساه أبداً، وذلك عندما سافر الى أحد المؤتمرات العلمية في جمهورية التشيك، وذلك بعد انضمامه مباشرة للعمل في مركز محمد بن راشد للفضاء، حيث لم يتجاوز حينها العام على الالتحاق به، حيث أوكل إليه عرض أحد الأوراق البحثية أمام جمع كبير من المتخصصين العالميين، فقد انبرى تاركاً خوفه المبرر من صعوبة الموقف، ليشرح بثقة منقطعة النظير فكرته البحثية، والتي لاقت استحسان الحاضرين، وتقديراً لذلك تم إيكال إدارة هذا المؤتمر العلمي له وإشرافه عليه سنوياً وهو ما واظب عليه حتى الآن لاعتزازه بهذا الموقف من هذه القامات.

مشروعات مهمة

 

وعن تفاصيل مهمته يروي المنصوري أن دور قسم تطوير التطبيقات والتحليل، هو استخدام قدرات الاستشعار عن بُعد بدقة عالية، وتعزيزها بنظم تحليلية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لمعالجة الصور التي ترسلها الأقمار الصناعية لرصد التغيرات الطبيعية، والمساعدة في الكوارث، ورصد أي ظواهر بيئية، حيث يتم تحليل البيانات وتوفيرها لخدمة مشروعات مختلف الدوائر الخدماتية في الدولة.

وتابع المنصوري أن القسم الذي يديره، يركز من خلاله على الاستثمار في أبحاث متابعة التغيرات التي تطرأ على سواحل الدولة وغيرها من التغيرات المناخية الناتجة عن أسباب مختلفة، ورصد وتحليل آثار جائحة كورونا وما ينتج عنها من انبعاثات المناخ، وتغيير نسب التلوث الجوي والمتغيرات المتعلقة بالغلاف الجوي للكواكب. وصولاً إلى دراسات متخصصة تتناول جوانب بيئية مختلفة مثل رصد الظواهر الطبيعية والبشرية والتمدد العمراني، ومدى تأثيرها على موارد البيئة خاصة فيما يتعلق بجودة الماء والهواء والغطاء النباتي.

تميز عالمي

وتطرق إلى أحد أهم أبحاثه والذي فاز عنه بالمركز الثاني في المؤتمر الدولي للملاحة الفضائية في أمريكا 2019، المتعلقة بأشجار النخيل والتي تمثل الكثير في وجدان الاماراتيين، حيث تمكن من تطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، لتحليل صور تم تزويده بها بدقة 10 سنتيمترات لكل بكسل، من خلال توظيف تكنولوجيا ساعدت على تحليل أكثر من 45000 شجرة نخيل في أقل من أسبوع وبدقة عالية وصلت إلى 98.7%، وهو الأمر الذي يوفر حلولا مبتكرة في مقدمتها توفير الوقت والجهد والمال.

دعم عائلي

وبالتوازي مع الإنجازات المهنية يرى المنصوري أن ما وصل إليه لم يكن ليتحقق إلا بدعم عائلي كبير، في مقدمته والدته، التي يتذكر لها ذلك الحرص الدائم منها والنصح والإرشاد والحث على تقديم أفضل ما عنده لخدمة وطنه الذي لطالما أعطاه الكثير، فقد وجد منها حناناً يتجاوز به مواقف صعبة، ودعماً جعله يثب دائماً نحو الأفضل، وهو ما تحقق له من فخرها به وبما يقدمه، من ناحيتها فإن زوجته أعطت له الكثير برأيه، وذلك عندما تحاملت على نفسها كثيراً، كونه دائم السفر حول العالم، لتأخذ على عاتقها تربية ابنيه الصغيرين محمد ومنصور، معتبراً أنها ووالدته قدمتا الكثير له الذي لا يستطيع معه إيفائهما بعضاً من حقوقهما عليه.

وعن هواياته التي يحرص عليها رغم ضيق وقته، يقول إنه يحاول دوماً إيجاد بعض الوقت لممارسة رياضة الجري، التي تقلل كثيراً من الضغوط المهنية الكبيرة الواقعة عليه، فيما يجد في الأفلام والمسلسلات الكوميدية، ملاذاً لبعض من الضحك والفكاهة، تروح عن نفسه قبل أن يستعد لبدء يوم جديد من العمل يملؤه تحديات يعشقها ونجاحات أصبحت قرينة مشواره المهني.

طباعة Email