شريان حب واحد.. كلية واحدة!

ت + ت - الحجم الطبيعي

تبتسم وهي تروي ملحمة العطاء، تتأمل كل ذلك الشريط، الذي مضى سريعاً، وهو يسرد تفاصيل ألم غضة، يربت أخيها على كتفها سعيداً، وتجلس هي كمحارب أنهى هدنة الألم للتو! بطي وعلياء.. شريان حب واحد.. كِلية واحدة!

البدايات

«2011 كانت البداية، حيث كنت في فترة تدريب صيفي بعالم مدهش، أمرح بلا كلل، أقوم بدوري بلا ملل، حتى بدأ الألم يتسلل إلى روحي، ويمكث في جسدي، كانت مؤشراتي الحيوية تؤذن أنني مع موعد مع رحلة ألم طويلة» بهذه الكلمات بدأت علياء جمعة تروي تفاصيل قصتها، بعد أن اكتشف أنها بحاجة لغسيل الكلى بعد إصابتها بصغر في الكليتين، رحلة طويلة استمرت لــ9 سنوات، مَخرت بها علياء عُباب الألم، ولم تكن منارة الأمل قد تجلت بعد رحلة سفرها الطويل، وحينما لم يكن غسيل الكلى الحل الناجع لصغر سنها بالبداية، كان كل شيء يبتعد، وكان الألم يستشري رويداً رويداً في جسدها الصغير!

رحلة العلاج

من تايلند إلى الهند ومنها إلى الفلبين وسنغافورة، رحلة طويلة، حزمت بها علياء بصيص الأمل مع حقائبها، وهي تعبر الحدود، لعل أملاً يلوح من بعيد، «كانت أمام عيني متعبة، أنهكها غسيل الكلى، أخذ من طاقتها، أفلت ضحكتها، صارت علاقتها بالسرير الأبيض وطيدة، فغابت عن لحظاتنا السعيدة، وقتها لم أشأ أن أقف مكتوف اليدين»، هكذا عبر بطي جمعة الأخ الأكبر لعلياء عن رحلة أخته الصعبة في مجابهة المرض، التي طرقت كل الأبواب، وقطعت آلاف الكيلو مترات في البحث عن أمل، فبعد أن لاح بالأفق خيار الزراعة في الفلبين، لم يستطع جسدها المنهك أن يقاوم التبعات السلبية للغسيل الكلوي، فبات حلم الزراعة مجرد خيال، سنوات طويلة عانت بها علياء، ولكن هل من بصيص أمل في آخر النفق؟

سؤال يأخذنا إلى عمق التضحية، حينما لم يستطع بطي أن يبقى مكتوف اليدين، وهو يراقب آلام أخته، ويعيشها بروحه وجوارحه، «أختي أغلى من كليتي»، بهذه الجملة يأخذنا بطي إلى منعطف آخر في القصة، لحظة التنوير التي انتظرتها علياء، الستار الذي انكشف فجأة ليملأ النور ظلمة الألم، وتولد الإرادة من جديد، فبطي الأخ الرياضي، والمدرب المعتمد، بعد أن خضع لفحوصات وإجراءات طبية لاحت بشائر المُنى، حينما تطابق مع أخته، ومنذ ذلك الحين لم يدخر أي وقت ليكون الفيصل في هذه القصة، ويبتر الألم من منبعه، ويمنح أخته بارقة أمل جديد.

ابتسامة الرضا

تبتسم علياء وهي تنظر لأخيها، وهي تروي كيف رفضت بشدة أن تأخذ كلية أخيها، خوفاً عليه، لكنها وافقت بعد محاولات إقناع طويلة منه، وبعد 5 أشهر من نقل كلية أخيها إليها، بدأت ترى الحياة من منظور آخر، ملأها الحب لسندها الكبير «بطي»، الذي لم يشأ أن ينال منها الوهن، إنه العطاء بكل معناه، عطاء بلا حدود وبلا مقابل، فأي مقابل هذا الذي يعوض عن جزء من الجسد، إن المقابل لمن يتبرع بكليته لا يمكن أن يكون إلا الفرحة بشفاء وسعادة وراحة الآخرين، فهذا هو الهدف، وهذه المشاعر الوحيدة، التي يمكن أن تُشعِر المتبرع بقيمة عمله.

تجلٍ أخير

يجلس بطي وعلياء على مقربة من بعضهما بعضاً، يتبادلان الكلام، بينهما شريان واحد، وكلية واحدة، وتضحية وامتنان للأبد!

طباعة Email