أعيش بكلية أبي!

  • الصورة :
  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

افترشت تلك الأوراق كل الزوايا في غرفته، تحدق به، ويتأملها بصمت جاثم، تشبه سنوات عمره التي قضاها وهو يبحث عن حل، لتصبح رماداً متصوفاً بذهول في طي النسيان، لينزع تميمة الألم التي رافقت جسده الهش سنين طويلة.

قبل صلوات الانطفاء، وقبل أن يبدأ حديثه، كانت رائحة البخور تحيط بالمكان كعادة يومية، وكان صوت المكان يزدحم بقرع أجراس صغيرة كنوع من المباركات المقدسة في الثقافة الهندية بعد أن تجلت الأزمة الصحية التي رافقت بريدفيك سنيديسي سنوات طويل، ويقول «رحلتي كانت صعبة.. لكنها كانت منقذتي».

الألم وقود

في الثقافة الهندية يقال «في السراء تحتاج للأب وفي الضراء تحتاج للأب»، باعتباره الرمز الأسمى لترابط الأسرة، وموجهها الأول، يقول بريدفيك «غياب والدي أرهق روحي، فبعد أن طوقت أزمة «كوفيد19» العالم، لم يستطع والدي العودة للإمارات، وفقد هو ووالدتي عملهما، فخلق هذا البعد تحدياً من نوع آخر»..، ثلاثية الفقد والبعد والألم، كانت أعتى على بريدفيك الذي حجبت أفق روحه قائمة طويلة من الأدوية، وأكداس من التقارير الطبية المختلفة التي شخصت حالته على مدار سنوات، «50٪ فقط كانت نسبة كفاءة كليتي التي منذ ولادتي لم تكن تؤدي وظائفها كما يجب» قصور كلوي حاد، كان يضع بصمته بثقل على جسد بريدفيك، الذي ورغم كل هذه المفارقات، علم أن ذلك النفق الطويل الذي شق طريقه في دواخله العميقة سيكشف عن شرارة، وخيط نور سيضيء عتمة طويلة!

هل أحلم أم أنطفئ؟

كانت شمعته على شفير الانطفاء، ومع سنته الأخير التي كان سيعبر من خلالها إلى مستقبله، كان عاجزاً عن الذهاب للمدرسة لأداء اختبارات الثانوية العامة، بسبب تطورات حالته الصحية وظروفه التي زادت ألمه، ليشعر أنه بدأ يفقد أمله بعد أن كبلته أصفاد السرير الأبيض، وعندما انسحبت شركة التأمين من تغطية نفقات علاجه، خسر البيدق الأخير في رحلة شفائه..، متلمساً لحظة تنوير استثنائية كسحر لتغير أحداث القصة.. أحداث كثيرة تزاحمت أمامه، فهل سيكسب الرهان؟

«رغم كل شيء.. كان البحث مؤنسي»، يبتسم بريدفيك متحدثاً بحماس عن عشقه للعلوم، متابعاً دراسته من فوق السرير الأبيض، مواصلاً أبحاثه مع منظمة «سيرن» و «ناسا»، وكتابة الأوراق البحثية، التي كانت وصفات دوائية غير مرئية، كانت مؤنسة لروحه، وعقله، رغم تهالك جسده!

بطل عابر للحدود

ولكن، كيف للأمل الوحيد أن يكون حبيس موطئ قدم بعيد؟ «أبي كان حبل نجاتي».. هكذا يصف بريدفيك الظروف الصحية الصعبة والحرجة التي مر بها خلال جلسات غسيل الكلى، حتى تصبح الظروف مواتية، إذ لم يكن من متبرع مناسب في العائلة إلا والده، الذي بقي عالقاً، يُقلم الحدود بصبر، يجوب المطارات الخاوية جسداً، وقلبه عند ابنه، آملاً أن يصل إليه وينقذه من معاناته الطويلة.

«لم أستطع أن أبقى مكتوف اليد»، والد بريدفيك بهذه الكلمات يعبر عن الحب الأبوي العميق، الذي لا يمكن أن يوفقه حد أو عائق للعطاء من أجل فلذات الأكباد، واصفاً ابنه بـ«المستقبل» الذي يريد أن يراه حاضراً بكل طاقته، من دون أصفاد وألم.

«وحصلت المعجزة» عبارة اعتلتها ابتسامة عريضة من بريدفيك، حينما حصل على دعم وموافقة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لتمويل عملية زرع الكلى، واصفاً المشهد بأنه من أنبل قيم العطاء الإنسانية، وروح التسامح والتآخي التي شملت بريدفيك ليعبر إلى ضفة مشرقة من حياته، يواصل بها شغفه.. بلا ألم.

وفي المشهد الأخير، تلتف عائلة بريدفيك الممتدة مع بعضها يجمعهم الأمل والحب، ينظرون بسعادة لبريدفيك الذي أصبح جاهزاً ليضع بصمة علمية راسخة.. كما كان يحلم دوماً.

طباعة Email