حبل سري يروي ثلاث نبضات

  • الصورة :
  • الصورة :
صورة
ت + ت - الحجم الطبيعي

هي.. لا تزال تنتظر، تمتلئ جيوب كلماتها بملامح مبهمة، تنقب عن أملها في عشر سنين مضت، تمزق وجوه اليأس التي تسترق النظر إليها من الزوايا الفارغة، في بيت دافئ كبير، ممتلئ بالفرح الذي غاب طويلاً.

هو.. يحصر نفسه في ألف سؤال منقباً عن الأجوبة المستترة خلف الغيوب بصمت ماثل، بعد رحلة طويلة فاتها الآسي والبلسم والدواء، رحلة بدأت مؤلمة، تمتص حنق الحنين إلى نبض متوارٍ ينهي سنوات العلاج، التي هرولت خاوية الوفاض.

أبو فهد وأم فهد، يرويان معاً قصة حبل سري كبر مع تفانيهما، ليروي ثلاث نبضات غيرت القصة ورسمت الملامح، لتمتلئ المقاعد الفارغة، ويبدآن بسرد القصة التي غيرت حياتهما.

صخب هادئ

منى حسين «أم فهد»، يفتر ثغرها عن ابتسامة دافئة، رغم تفاصيل الحرمان والألم التي عاشتها، تروي محطات رحلتها الشاقة، بعد محاولاتها العديدة لحمل فلذة كبدها، إلا أنها باءت بالفشل، تجارب مؤلمة، انغرست في جسدها كألف سؤال يبحث عن نبض صغير يكبر في كون سعادتها، ألم متكرر بعد أن انغلقت كافة السبل، وسُدت الأبواب، لسنوات طويلة، كبر معها الحرمان و«الشوق»، تقول: «نذرت إن رزقني الله الزواج أن أتبنى طفلاً»..، نذر قفز إلى ذاكرتها، لتقول «لم لا»..

الوجهة لهيئة تنمية المجتمع، كانت محملة بالشوق، هكذا بدأت تستفيض أم فهد في سرد الأحداث، تتحدث عن شوق، ذات السنة والشهرين، تقول: «كنت أسمعها تبكي.. فخفق قلبي ليقول هذه ابنتي، فما إن حضنتها حتى انغرست أنفاسها ونبضاتها الهشة بين أضلاعي»، تمسح أم فهد دموع فرح لتخبرنا أن شوق لم تكن مجرد طفلة، كانت وتد البيت، وحبه الرابض على تخوم الأمل!

«لقد دخلت قلبي»، بهذه العبارة المحدودة، يصف سعيد عتيق «أبو فهد» شعوره، فشوق كما أسموها، أعادت الأمل وملأت أول مقعد على مائدة الطعام، غرفة نوم دافئة، وألعاب تؤثث فجوات حنين عشر سنين، يتنهد أبو فهد ويقول «تبنيها كان كالحياة، ومنح طفل صغير كل المودة والحب الذي كنا نحمله، كان بمثابة هدية لنا، وعوض جميل».

فراغ ممتلئ

«عندما ذهبت لأتبنى طفلاً آخر، لم أخبر أبو فهد، بل أخفيت الأمر عنه كمفاجأة، فكانت أجمل مما ظننت»، تبتسم أم فهد وهي تروي قصة احتضانهما لفهد ذي الأربع سنوات «عندما رأيته قلت هذا ابني.. ولم أتركه»، ونوف ذات العشر سنوات..، لتكتمل الأسرة، وتمتلئ مقاعد الطاولة، أسرة صغيرة، ترتوي من دفء اللحظة، وجمال التجربة النابضة بالعطاء والحب..

تجلٍ أخير

التبني أعظم شعور إنساني، رغم أن المسافة بين الحرمان وتحقق المنى كانت أشبه بالصراط الممتد إلى ما لا نهاية، إلا أنه وعلى طاولة مستديرة، تحت سقف بيت محب، يمتد حبل سري من الحب ليربط امتلاء وصخب السعادة، يبتسم أبو وأم فهد، لألطاف الله التي سقت قلوبهما.. وأحلامهما تكبر أمامهما كأمل يانع لم يأفل بريقه يوماً..

طباعة Email