يحنّ الفنان الجزائري محمد عجايمي «70 عاما» إلى رمضان بلاده أيام زمان، ويستعيد بسعادة تلك الروح التضامنية التي كانت راسخة في الأحياء العتيقة، ويبدي ألما لكون حي القصبة قلب العاصمة ، صار غريبا عليه بسبب التحولات التي شوّهت جوهره الحضاري والثقافي والمجتمعي.

وعجايمي الذي شارك بمئات المسرحيات والمسلسلات والأفلام المحلية، يتذكر أنّ مجايليه كانوا يعيشون رمضان بكثير من الروح الجماعية، بما كان يضفي فرحة غامرة ويفرز أسفا إثر رحيل الضيف الكبير.

«كنّا نشعر بمجئ رمضان عبر استعدادات مكثفة للأهل في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، فالأسعار لم تكن ترهق كواهل المواطنين ، والقناعة تميز الناس، والتآزر والتكافل يجمعان أفراد المجتمع».ويسترجع بوجه باسم: «كافة سكان الحي كانوا يتعاونون في أشغال التنظيف والطلاء لاستقبال الشهر المعظم، ومن أجمل الذكريات الراسخة بالأذهان، ذلك التنافس الرائع على إفطار الصائمين، والسهرات التي تقام بالشوارع حول أباريق الشاي والحلويات التقليدية وسط نوافير القصور العثمانية المترامية.

عائلة واحدة

كان سكان القصبة يشكّلون عائلة واحدة كبيرة، حيث واظب أبناء الرعيل الأول على تبادل الأطباق، وكان من غير المعقول أن تشمّ رائحة طبق دون أن يتكرّم عليك جارك ويجعلك تتذوق، فالطبق السائد شوربة المقطفة، والتي تطهى في البيت بطريقة تقليدية، وغاب تماما ما يعرف عند أهل القصبة بـ »النافخ« الذي كان يستعمل في إعداد بعض الأطباق التي يكون لها تأثير خاص. وكانت الأعمال تبلغ ذروتها في رمضان بالقصبة السفلى، فالكل يخطط ويدبر لربح المال، بينما ربات البيوت يتفننّ في الطبخ المغاربي لإرضاء الأذواق، ما كان يحوّل الأزقة الضيقة إلى مطابخ على الهواء الطلق تتصاعد منها رائحة القلي القوية».

وتطرق عجايمي لمشاهد الفنان الراحل بوعلام تيتيش عندما كان يحيي ليلة 27 رمضان، قائلا: كان يصعد وهو يعزف على آلة الزرنة من المسجد الكبير بساحة الشهداء إلى غاية مقام الولي الصالح سيدي عبد الرحمان رفقة عدد كبير من السكان. والآن للأسف فإن القصبة السفلى تعاني من الأوساخ والقاذورات التي تنتشر هنا وهناك وأرصفتها مغطاة بالحشائش الضارة، فبعض الجدران يعود بناؤها إلى أكثر من قرن، وتركها مهملة يزيد من حدة الغليان خصوصا مع ظهور ردوم الجدران المكسرة على الأرصفة، بعدما كانت الطرقات نظيفة أيام زمان.

استهجان فنان

يستهجن الفنان عجايمي ما يسميه بالانغلاق المثير، إذ يرتضي كل واحد الانطواء على نفسه وإيصاد أبواب بيته ليكتفي مواطنو هذا الزمان بما تعرضه الفضائيات التي يعتبرها سببا في اندثار تلك الاجتماعات الحميمية. ويؤكد بطل مسلسلات المصير واللاعب والبذرة على حتمية استعادة الرموز والذاكرة الجماعية، وضرورة إشراك الشباب لاستعادة وهج وطن الزمن الجميل.