بات تسامر الشباب في رمضان جزائر 2015 مقترناً بجلسات معبّقة برائحة النقانق وثرية بالمكسرات وأباريق الشاي، وهي موضة تتنامى من عام إلى آخر، وتمتدّ إلى غاية السحور. مباشرة بعد الإفطار، يختار شباب وكهول نصب طاولات «الباربكيو» في مناطق وأحياء شعبية آهلة، ويحتدم المشهد بعد انتهاء صلاة التراويح أو قبلها قليلاً، حيث تطهى حبات النقانق (المرقاز) على الجمر ويتم بيعها على شكل «ساندويتشات»، في رواج كبير وسط ألسنة النيران والروائح الزكية، ووسط تلك اللمة وتوافد أفراد الشلة تزداد بهجة الليلة وخيوط الفجر تقترب من التبدل بظهور الأبيض بعد زوال الأسود.
ويذكر بعض الباعة في منطقتي بن عكنون وبابا حسن أنّ الطلب الكثيف يضطرهم إلى البقاء إلى آخر أنفاس السحور، وعن سرّ اختيار «الباربكيو» دون سواه، يجيب أحدهم: «جمهور الصائمين غالباً ما يتضورون جوعاً خاصة عقب أداء صلاة التراويح، ويجد أولئك ضالتهم في تناول ألوان من الشواء، إضافة إلى عابري السبيل الذين لم ينعموا بإفطار عادي. وتشهد طاولات النقانق تأثيثاً متكاملاً، حيث يولي أنيس محمود، وحليم بصيري ومصطفى زعنون وغيرهم اهتماماً خاصاً بالمستحضرات والتوابل، إضافة إلى المكونات من جمبري ولحم مفروم وغيرها.
ومع توالي رمضانات الجزائر، تحولت طاولات هؤلاء الشباب، إلى مقصد مفضّل للناس، الذين يستطيبون رائحة «النقانق» فتتحوّل الطاولات إلى مقصد المئات من الباحثين عن لذة تستحق المشقة. ودفع المكسب المعتبر الذي يحققه أصحاب الطاولات، بمواطنيهم لإقامة أخرى على طول الأرصفة والساحات بطاولات تبهج الناظرين، ما شكل تنافساً من طراز خاص، وترى الباعة وهم يتفنون في امتداح جودة ما يعرضونه.
«المحشاشات»
تشكّل المحشاشات وهي محلات تقليدية تصنع من الخشب والصفيح عادة رمضانية شبابية ظلت عنواناً للاستمتاع بسهرات رمضان وجني بعض المال، وبمجرّد دخول الشهر الفضيل يستحدث الشباب تلك الأمكنة على مستوى الأحياء القريبة من مقرّ إقامتهم لتكون بمثابة مجالس.
والمحشاشات تشكّل بنظر جمال محمود، وأبو بكر الوالي ومحبوب سيد أحمد وسيلة للسمر والارتزاق أيضاً، ما دفع البعض إلى تعميمها عبر استغلال دكاكين شاغرة على مستوى أسفل العمارات، ويوضح محمود مروان: المحشاشات قضت على بطالة الكثير من الشباب من خلال بيع كل ما تتطلبه سهرة رمضان ولكن الآن فقدنا أهم مصدر لجني المال في رمضان.
وتشكّل «المحشاشات» فضاءً للتجارة الموسمية التي ترتبط برمضان فقط، ويتم فيها بيع قلب اللوز، الشاي، القهوة، الحلويات والأرغفة بأثمان معقولة، وتحضر فيها الموسيقى وكوكبة مهمة من المغنين الشباب.
متنزهات
أصبح الخروج إلى الحدائق والمتنزهات خلال سهرات رمضان يعوّض اللقاءات أو ما ظلّ يُعرف بـ «اللمات» العائلية التي كانت تضفي على السهرة نكهة وطعماً خاصاً لدى العوائل، وصارت المتنزهات تستهوي الكثير من العائلات خصوصاً مع بلوغ درجات الحرارة مستويات قياسية.
وتقول «خديجة» التي كانت برفقة زوجها وبناتها في نزهة بحديقة تسلية، إنّ التنزه هو أفضل طريقة لكسر الركود والملل، وهي فرصة أفضل للترويح عن النفس بعد عناء نهار طويل، ويتابع «بشير» بالقول: «نجد متعة كبيرة في الخروج في السهرة وتناول المثلجات والاستمتاع بهذه الأجواء الجميلة خاصة وأنّها تمتاز برونق خاص خلال هذا الشهر المبارك». ورغم استحسان جمال عبوش للفكرة إلا أنه أصبح يجد نفسه مقيداً على حد تعبيره، وذلك بعد أن كان قبل ذلك يقضي سهراته الرمضانية بمقهى حيه رفقة أصدقائه لخوض لعبة «أحجار الدومينو».
ولم تخف العمة خامسة مهران أنّ سهرات رمضان خلال السنوات الأخيرة لم تعد كما في السابق، فقد كانت تميزها «اللمات العائلية التي هي بمثابة الروح التي تطبع سهرات الشهر الفضيل»، تقول الحاجة الخامسة، وتضيف: «في زمننا كانت اللمة العائلية فرصة مواتية لصلة الرحم وجمع شمل الأهل والأحباب وإنهاء الخلافات حيث تتفنن ربات البيوت وتجدن المتعة في إعداد الأكلات والحلويات واستضافة الزائرات لتذوقها والسمر وتبادل أطراف الحديث حول أمور الطبخ وتبادل الوصفات الرمضانية».
أجواء حميمية
تروي الحاجة فاطمة الزهراء زياني أنها اعتادت ومنذ أن كانت شابة في بيت أهلها الأجواء العائلية الحميمية و(اللمّات) الرمضانية ما جعلها بعد أن تجاوزت اليوم عتبة الستين، تحس بتغير الوقت وتستشعر أنّ الروابط الاجتماعية في طريقها إلى الزوال.


