عيد الفطر له طقوسه الخاصة عند السوريين، فتميزهم عن غيرهم بالبلدان العربية، إذ تشكل المناسبة لإحياء العادات المجتمعية التي تعزز صلة القربى، وتدخل الفرح والابتسامة في قلوب الأطفال والكبار، وتلك الطقوس تتطلب مناخا من الاستقرار النفسي والاجتماعي، وهي شروط تفتقر إليها البلاد في الوقت الراهن بسبب الحرب التي تدور رحاها بين المعارضة وقوات النظام يومياً.
ففي الوقت الذي يشتري فيه الناس بأماكن عديدة في العالم العربي والإسلامي ثياباً لأطفالهم فرحة بالعيد، يشتري السوريون أكفاناً لقتلاهم وموتاهم. وباتت أولوية العائلات تنحصر في تخفيف حدة العنف والقتل، ووقف عمليات النزوح الجماعي صوب المناطق الخارجية والداخلية، وتأمين المساعدات الإنسانية والطبية للجرحى والمحتاجين.
وقد جرت العادة في السنوات الماضية على شراء مستلزمات العيد من ألبسة جديدة، وحلويات متنوعة في الأيام التي تسبق حلول عيد الفطر، وتنشط أسواق حلب ودمشق لاستقبال الزبائن من مختلف الشرائح العمرية، بيد أن الأسواق التقليدية في دمشق الآن باتت تغلق يومياً أبواب محلاتها التجارية في أوقات مبكرة بعد ان هجرها الناس لعدم توفر الأمن والأمان، ولا يختلف الحال في باقي المدن السورية الأخرى.
ويقول عبد اللطيف العلي النازح من مدينة حلب برفقة عائلته إلى احدى القرى النائية : أسواق حلب أغلقت بفعل تحليق الطيران الحربي فوق أجوائها لضرب المعارضة، والسكان فروا من المناطق الساخنة، ولم يعد أحد يفكر في طقوس عيد الفطر، بل الأهم كيفية إنقاذ الأرواح من جحيم النيران القادمة من كل اتجاه. وبالطبع للعيد نكهته الخاصة عند الأطفال الذين يتمنون ارتداء الملابس الجديدة ويجوبون الأسواق وساحات الألعاب ليشتروا الحلوى والدمى ويركبون الخيول ، الا ان الأطفال أنفسهم كانوا من ضحايا الحرب المجنونة، ومن نجا من ويلاتها بات يرزح تحت وطأة الجوع والتشرد.
يقول مروان وهو طفل في الحادية عشرة من عمره:« حولوا حدائقنا إلى قبور لدفن الجثث بحمص، ومنعونا من ارتياد الأسواق لشراء الألعاب فرحة بقدوم العيد، سأقوم مع أخوتي بزيارة قبر والدي الذي قتل بمدينة الخالدية في حمص، وسنضع ورودا عليه، واعتقد ذلك سيكون صعبا جداً بسبب انتشار الحواجز الأمنية والعسكرية».
طقوس غابرة
وكانت دمشق تعيش مع المحافظات الأخرى طقوس عيد الفطر، وهي فرحة لا تكتمل دون إعداد طعام الغداء للأسرة والضيوف طيلة أيام العيد، بغية التباهي وتقديم أشهى المأكولات التي يحار الناظر في اختيارها والتي تكد ربة المنزل قبل أسبوع من قدوم العيد بجلب الاحتياجات اللازمة لإعدادها. فعيون أهل دمشق تترقب حالياً وصول الإمدادات الغذائية لهم وهم منشغلون في كيفية سد رمق جوعهم.
ويقول ياسر موصللي الذي يعمل على تاكسي عمومي في دمشق: «تغيرت علينا حلاوة قدوم العيد، فلم نعد نشعر بهذه النشوة، فالموت يلاحقنا من حي إلى آخر، ونحن نفتقر إلى تأمين الخبز لأطفالنا، فكيف بنا التفكير في شراء ملابس العيد وتجهيز الأكلات الدمشقية التقليدية وتقديمها للضيوف؟».
ويتميز المطبخ الدمشقي بتنوع وجباته ومقبلاته وسلطاته، وحافظت معظم العائلات ومنذ زمن بعيد عليه بكل ما يضمه من وجبات وطبخات تقدم طيلة أيام العيد، حيث تقوم ربة المنزل بتحضيرها لاسترجاع أكلات الأيام الغابرة.
وتتذكر ميادة حلواني ربة منزل، ونازحة من دمشق إلى ريفها في منطقة صحنايا، طقوسها لدى تحضير الأكل احتفاء بالعيد :" نبدأ بتحضير أكلات العيد قبل أسبوع من قدومه، بشراء الخضروات واللحوم وكل ما يلزم لتحضير وجبات الغداء التي تنتظرها العائلة، وأكثر الطبخات المرغوبة في العيد، صرر الأوزي بالمكسرات مع اللبن، وفتة المكدوس والكبسة والملوخية والكبة المقلية والفريكة بالإضافة إلى التبولة والفتوش.
بدورها تشرح سماح الأمير ربة منزل شعورها قبل الثورة وما كانت تقوم به استقبالا للعيد، فتقول إن تحضير طبخات العيد يشعرها بسعادة غامرة، لأنها تكون مسؤولة عن تقديم أطيب المأكولات لعائلتها التي تجتمع عندها يوم العيد فتتباهى بالأصناف التي تقدمها لزائريها ، وتشعر بفرحة عندما يساعدها أطفالها بتجهيز وجبات الطعام بتقطيع الخضار وغسله وعجن عجينة الشيش برك وهي الأكلة الشامية المحببة جداً للعائلات الدمشقية.

