استقبل الليبيون وللعام الرابع على التوالي رمضان في ظروف غير طبيعية، حيث تعم الفوضى وينتشر السلاح ويستمر الانقسام المجتمعي، ويعيش أكثر من مليوني مواطن خارج الوطن بحثاً عن الأمان، ومثلهم نصف مليون مشتتون في الداخل في مناطق تاورغاء وغدامش والرياينة والمشاشية والقواليش. ورغم تلك الظروف يحاول الجميع الحفاظ على خصوصيات تعاملهم مع الشهر الفضيل، عبر الالتزام بالعادات والتقاليد الموروثة عن الآباء والأجداد.

وقبل حلول الشهر بدأ الناس الإعداد والتجهيز له من خلال التسوّق، حيث ارتفعت وتيرة البيع والشراء لكافة مستلزمات الأسرة، من أجهزة كهربائية، وديكورات المنازل، لاستقبال الضيوف وتحضير العزائم، وهي عادة تنتشر بين العائلات والأصدقاء، بما لذَّ وطاب من الأغذية الرمضانية التي تنتشِر في كل مكان.

وتنشط الطقوس الاجتماعية ومنها مدفع رمضان كموروث تراثي عربي وإسلامي، وتقام موائد الرحمن بجميع المناطق بمبادرات من جمعيات أهلية وبعض الأندية والشركات لإطعام المحتاجين وعابري السبيل. ويعتبر رمضان عند الأسر شهراً للتلاقي والتسامح والبركة والإيمان ويجتمع فيه الأولاد يومياً في منزل الوالد لتناول طعام الإفطار معاً مع العائلة طوال الشهر الفضيل كتقليد متبع منذ سنوات طوال.

ففي أول أيام الشهر الكريم تحرص الأسر على الاجتماع في منزل الأب أو بيت العائلة، حيث يكون الإفطار على التمر واللبن والحليب، إلى جانب القهوة والعصير، وبعد صلاة المغرب تكون البداية بتناول الشوربة العربية، ومعها أطباق متنوعة، مثل رشتة الكسكاس، والمبطن، والظولمة، وطبق البوريك بالبيض، أو بالبطاطا، أو اللحم المفروم؛ والبيض هو الأغلب، ويتم تجهيز ورق البوريك في البيت.

ومن أشهر الأطباق المحلية، «البازين» وهو أكلة ليبية شائعة خصوصاً في المنطقة الغربية والوسطى، وتتكون من دقيق الشعير والقليل من دقيق القمح يطبخان في الماء المغلي مع رشة ملح لمدة ساعة ثم يسبك الخليط ويشكّل على هيئة قبة توضع في وسط طبق يسمّى القصعة ويسكب حولها المرق «الطبيخة أو الإدام» وتوضع البطاطا المسلوقة واللحم حول القبة ثم يصب عليها الإدام «المرق» والقليل من الدهن وتؤكل باليد.

ويطبخ البازين مع لحم الضأن أو الماعز أو الإبل، وأحياناً مع لحوم الدجاج أو الأسماك وبمرق البيض أو الفول المدشدش. وتعرف مائدة رمضان بالكسكسي الليبي، أو الرز بلحم الضأن، وتكاد المبكبكة تكون من الأطباق التي لا يخلو منها بيت.

بسيسة وزميطة

وتحرص الأسرة على تحضير الحلويات الشعبية الشهيرة في رمضان حلوى العسلة والزلابية، إضافة للحلويات الأخرى ومنها الكنافة، والبسبوسة، والبقلاوة، والقطايف، ولقمة القاضي. وتعتبر البسيسة من الأكلات التقليدية المعروفة لدى الأهالي والتي تحتل مكانة مهمة في مائدة رمضان، وتتكون من العدس والحمص والكمون والشعير مع السكر، وبعض البقوليات التي تصل إلى أكثر من 10 مكونات من الحبوب والبقوليات، يتم شراؤها وتنظيفها وأخذها للمطحنة لطحنها، ويتم خلطها بزيت الزيتون لتقدّم في صحن وتؤكَل مع التمر.

والبسيسة من الأكلات الأمازيغية العريقة، يتناولها المواطنون في مختلف مناطقهم وفئاتهم الاجتماعية وبمرور الوقت باتت تصنّع وتباع في الأسواق ومحلات العطارين، وهناك أكلة أخرى تسمى زمّيطة وتحضر قبل بداية رمضان، وتتكون أساساً من حبوب الشعير التي تنظفها الأسرة وتحمصها على النار ثم تطحن وتخلط بالزيت وتقدّم كوجبة عند السحور.

عادات وتقاليد

تشهد المساجد في رمضان إقبالاً كثيفاً من المصلين الذين تتضاعف أعدادهم في الشهر الفضيل، من الرجال والنساء صغاراً وكباراً وخصوصاً لأداء صلاة التراويح. ويؤدي معظم سكان الأحياء صلاة التهجد في العشر الأواخر من الشهر مع الحرص الشديد على الروحانيات بإقامة حلقات المديح يومياً في المساجد.

ويهتم الليبيون في رمضان بالنشاطات الثقافية والفنية التي تقام بكثافة في كل منطقة وحي، والتي تنظمها لجان الثقافة والإعلام، مع الأمسيات الشعرية التي تقيمها رابطة الكتاب والأدباء والأنشطة الجماهيرية بالأحياء وبيوت الثقافة، وهناك ندوات أدبية في القصة والشعر وعروض الفن التشكيلي، والأمسيات الغنائية والفولكلورية.

التراويح والحلويات

من أبرز العادات الليبية في رمضان، تناول الحلويات بعد أداء صلاة التراويح، حيث تلتقي العائلات في المنازل وحتى وقت متأخر يتبادلون الأحاديث، بينما تحرص فئة أخرى على تمضية أوقات الليل في قراءة القرآن وختمه على روح المتوفى من الأقارب للأسر.