كما كل المسلمين، يستقبل اللبنانيون شهر الصوم على الشكل الذي يليق به، لما يحمل إليهم من بركة وخير للنفس والجسد. ومعظم العادات التي يتّبعونها خلاله تعود إلى مئات السنين، وترتبط بحقب تاريخية مرّت عليه أو حملتها إليه جماعات قدمت إليه من بلدان أخرى وأقامت فيه.
ومن التقاليد الرمضانيّة المحبّبة عند اللبنانيين، ضيف عزيز يأتي لشهر كامل، كنموذج ثابت في قلوب الصائمين، اسمه »مدفع الإفطار« أو »مدفع رمضان«، لما له من حضور إنساني حميم في التراث والذاكرة العتيقة، إذ ارتبط اسمه بالشهر الكريم وروحانياته القائمة على المحبّة والإيمان والتسامح، عدا عن كونه يحكي حكايات جميلة وذكريات قديمة يستمتع اللبنانيون بها. و»مدفع رمضان« تقليد عرف منذ العهد الفاطمي، وابتدع لتنبيه الناس لأوقات الإمساك والإفطار. وبيروت في تلك الحقبة لم تكن قد عرفت بعد جهاز »الراديو« الذي دخلها عام 1928. ومساء يوم 29 شعبان أو الثلاثين، تطلق من فوهة المدفع 21 طلقة تبشيراً برؤية الهلال.
واستحدثت الدولة العثمانية في عهد إبراهيم باشا والي بلاد الشام، مدفعاً في بيروت، عيّنت له »مدفعجياً« مهمته إثبات رؤية هلال رمضان، وإعلان وقت الإفطار والإمساك والصلوات الخمس.
وكان المدفع ذا قذيفة بقماش كتّان محشو بالبارود ومتصلة بكبسولة يضعها الجندي في داخله ويطلقها بواسطة حبل رفيع، ويرتكز على دولابين كدواليب العربة.. وُضِع المدفع، أيام الدولة العثمانية، في ثكنة عسكرية واقعة على رابية مطلّة على العاصمة، وتتجه فوهته إلى الشرق. وكان يشرف على المدفع ميقاتي، ومن صفته اشتقّت عائلة ميقاتي. وأشرف على إطلاقه شيخ من آل زغلول، كان يأتمر بموظف تعيّنه مديرية الأوقاف، ويرتدي بذّة بيضاء ويضع طربوشاً خمرياً ويحمل ساعة »كستك« بسلسلة ذهبية.
وبين منتصف الأربعينيات والسبعينيات، نصب الجيش مدفعاً فوق رمول منطقة تلّة الخياط، تُطلق منه طلقة واحدة يومياً وقت الإفطار برمضان.
وكان البيارتة يصلّون قبل آذان المغرب، ثم يقفون في الناحية المسموح فيها بالوقوف وينتظرون بحماسة، إلى أن يشير مندوب دار الفتوى لمغيب الشمس، فيشعل العسكري فتيل المدفع الذي يحترق ببطء قبل أن يعلو صوت انفجار بارود قذيفة الـ»فشينك« كزلزال مدوٍ، معلناً حلول موعد الإفطار، قبيل ارتفاع صوت آذان المغرب، وبعد الإفطار كانت التلّة تجمع الناس حول كوب من الشاي أو نرجيلة عجميّة عامرة، إلى حين انطلاق صوت المسحراتي أبو رستم البيلاني، الذي يوقظ أهالي المنطقة بأسمائهم قبل أن يدركهم الإمساك.
والجيش اللبناني يتولّى حالياً مهمة القيام بالتقليد، داخل المدن الرئيسية، بإطلاق ثلاث قذائف من النوع »الخلبي« عند ثبوت رمضان شرعياً، وقذيفة واحدة للإمساك، وأخرى للإفطار. ويعتبر مدفع مدينة طرابلس الأشهر لبنانياً، والأقدم بعادات رمضان، حيث لا يزال يربض على سطح قلعة المدينة المطلّة على كل الأرجاء والبلدات.
