هي حكاية نستعيد منها الماضي، ونتشارك فيها البدايات. نتقاسم معها القدم، ونتجلى معاً أحلى الذكريات. مع قدامى عاشوا الماضي وعايشوا الحاضر ولا يزالون. سنواتهم عامرة بالعطاء، وأيامهم زاخرة بالمواقف والذكريات. لديهم المزيد دوماً.. حكاياتنا في رمضان قصصٌ تستحق أن تُحفظ في ذاكرة التاريخ، وتوثيقٌ يصلحُ للحاضر ويزهو حتماً في المستقبل، حكاياتنا فيها عبرة وقدوة للأجيال، ولها سطوة في سجل الطموح، حكاياتنا مع الماضي تحمل من التشويق الكثير، ومن الصبر والإصرار والطموح ما هو أكبر، حكاياتنا تزودنا كل يوم بمواقف ثرية ونماذج فريدة من العطاء. حكاياتنا تستحق التوقف والإمعان، وتفرض قصراً التقدير والاحترام.. لكل يوم حكاية، واليوم هذه حكايتنا.

عدلة المجايدة معلمة فلسطينية قدمت الى الامارات هربا من الاحتلال الاسرائيلي والتحقت بمهنة التعليم واستقرت في مدرسة الاقصى في دبي لتكمل مهمتها في تعليم الأجيال وفي لقاء معها حول ذكرياتها قالت:

تزاحمت الأفكار والذكريات في ذهني وأخذت أفكر، ولم أمكث طويلا وما هي إلا لحظات انطلق خلالها مشهد من ذاكرتي من عام 1989 وكأني أعيشه الآن في هذه اللحظات، كيف لا وهو من الذكريات التي لا تنسى والتي أثرت في مجرى حياتي بما لا أتوقعه، حيث كنا نرقد ليلا والخوف يملؤنا على أخي المصاب الذي لا نعرف أين هو خوفا عليه من أن يقع في يد المحتل الغاصب لأرضنا، وفي الثلث الأخير من الليل مع ظلمة الليل إذا بطرق شديد على باب المنزل اهتزت لشدته الجدران، ففتح الوالد ــ رحمه الله ــ الباب، وإذا بجنود الاحتلال يداهموننا ويكيلون لنا أنواعا مختلفة من التهديد والوعيد لكي نقوم بتسليم أخي لهم، وتكرر ذلك يوميا وفي نفس الموعد، مما اضطر أخي حفاظا علينا لتسليم نفسه لهم في صباح يوم شديد البرودة من أيام الشتاء، وفكر الوالدان بعدم بقائي في وطني فهما كبيران في السن ولا يأمنا علي من شر جنود الاحتلال وقررا أن أسافر طرف أخي في الإمارات بحثا عن الأمن والأمان، وكنت قد أنهيت لتوي الدراسة الجامعية فقدمت إلى الإمارات في شهر يونيو من ذلك العام، وهنا بدأت حياتي العملية وبدأ التغير فيها حيث عملت كمعلمة في دولة الإمارات حتى يومنا هذا لمدة أربع وعشرين سنة تنقلت فيها بين إمارة عجمان وأم القيوين وأبوظبي ثم دبي التي ما زلت أعمل بها حتى يومنا هذا.

ذكريات جميلة

كانت هذه الرحلة من حياتي وما زالت حتى هذا اليوم لمدة أربعة وعشرين عاما، حافلة بالذكريات الطيبة الجميلة، حيث أعتبر دولة الإمارات وطني الثاني، فقد تقاسمت سنين عمري بينها وبين وطني الأم (فلسطين) ففيها أنعم الله عليّ بالزوج والأبناء، وتنعمنا بخيراتها، وواكبت فيها الكثير من التطورات والإنجازات التي حدثت من عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وأخيه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، إلى يومنا هذا في عهد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وإخوانهما الحكام. وفي كل عام نشارك البلاد فرحتها بيومها الوطني وبإنجازاتها وتطوراتها في جميع مجالات الحياة، حيث تطور التعليم الذي عاصرته بنفسي في المدارس من خلال ازدياد عددها بشكل ملحوظ ووجدت المدارس النموذجية وتطور التعليم والاعتماد على التكنولوجيا وتزويد المدارس بأحدث الإمكانيات من أجل تطوير وتقدم التعليم وازداد عدد الجامعات بصورة ملحوظة في كل أنحاء البلاد والتي أمدت الدولة بكوادر فعالة من أبنائها المواطنين في جميع مجالات الحياة.

ولا أنسى التقدم في النواحي العمرانية وانتشار الأبراج والمباني الشامخة التي تعانق عنان السماء بجمالها الخلاب ومن أبرزها عالميا برج العرب وبرج الشيخ خليفة، وانتشار الخير على كل أبناء الدولة من خلال بناء الأحياء السكنية الحديثة وتوزيعها على أبنائها لينعموا في ظلها بالحياة الكريمة، وإمداد الدولة بالماء والكهرباء، حيث يرى الراكب في الطائرة ليلا سواء قادما أو مغادرا للبلاد نجوما تتلألأ على أرضها بمنظر ساحر خلاب يدهش الناظرين إليه.

شبكات الطرق

كما عاصرت في تلك السنوات انتشار شبكات من الطرق المعبدة الواسعة التي تربط الإمارات دانيها بقاصيها وإنشاء مترو دبي الحديث بتاريخه المميز، وقد عاصرت تلك الإنجازات خلال سنوات عملي وأنا أستقل سيارتي بأريحية فترة ذهابي للعمل بين إمارات الدولة، وأرى ما ينجزه المسؤولون في هذه الشوارع والطرقات المزودة بأعمدة الكهرباء والنخيل والمساحات الخضراء التي تسر الناظرين.

وأذكر كذلك تطورها في المجال الترفيهي للمواطنين والمقيمين بحدائقها الغناء ومراكز التسوق المنتشرة في كل الإمارات ومساجدها التي تمتد في أراضيها ومن أبرزها مسجد الشيخ زايد، رحمه الله.

وأذكر أيضا تطورها الصحي والتجاري والصناعي كل تلك الإنجازات تدل على استثمار حكامها ومسؤوليها الاستثمار الأمثل لخيرات البلاد والتي تشمل توفير الحياة الكريمة للمواطنين والمقيمين على أراضيها.

انجازات

ولم تقتصر تلك الإنجازات على الدولة في داخلها فقط بل امتدت لتصل خارج الدولة أيضا، فلا يكاد يخلو بلد عربي أو إسلامي من الإنجازات الخيرة لحكامها ذوي الأيادي البيضاء وذلك ينبع من انتمائهم لعروبتهم وإسلامهم وتنشئتهم على الجود والكرم والبذل والعطاء. وها أنا ذا أعيش بها وأتمتع بخيراتها وما زالت إنجازاتها متتابعة ومتلاحقة ومتسارعة لا تتوقف في كل الميادين، وما تنجزه في فترة وجيزة تحتاج بلاد أخرى لسنوات طويلة لإنجازه. ولا يسعني أخيرا إلا أن أدعو الله بأن يديم عليها هذا الاتحاد وهذه الإنجازات وخاصة أمنها وأمانها الذي نعمت به وينعم به غيري في هذا الوطن الثاني، أدام الله عز الاتحاد وحفظها وحفظ رئيسها ونائبه وحكامها وإنجازاتها لأبنائها وأبناء الوطن العربي والإسلامي والعالم أجمع القاصي والداني.

تطور

مهما تحدثت فإنجازات الدولة لا أستطيع حصرها، وخلال هذه السنوات الوجيزة في عمر الدولة يشعر من يعيش فيها بالتغير الواضح والمتسارع والفرق الشاسع في الحياة من بضع سنوات لأخرى، ويشعر بأنه يعيش في دولة من الدول المتقدمة المتطورة بتقنيتها واستخدام التكنولوجيا في وزاراتها ودوائرها وهيئاتها التي تسهل لمن يقطنها من إنجازات ما يريد من معاملات بسهولة ويسر.