العيد وما أدراك ما العيد، كان يمثل حالة استثنائية مختلفة من الفرح والسعادة في طفولتنا، لذلك كان الاستعداد له يبدأ قبل فترة من الزمن. لازلت أذكر والدي عندما كان يأخذنا كباقي الآباء لتفصيل ملابس العيد، يتوجه للخياط الذي يتعامل معه ليختار قطعة القماش المناسبة، لم يكن نوع (كشكش و الختم والخرابيط الحالية) متوفراً في ذلك الوقت. كان الخيّاط يقوم بأخذ القياسات، ويطلعنا على بعض التعديلات المطلوبة كالكسرات في الكندورة وغيرها. ثم نختار نوعية الأزرار التي نريدها، العادية أو الحديدية التي كانت قد انتشرت في تلك الفترة، تلك الأزرار اللامعة والتي يلفت انتباهك وميضها حين نقف في مواجهة الشمس!
كان البعض يتوجه إلى سوق بر دبي القديم للمرور على مخزن المختار، كان من أشهر المحال التي تبيع الأحذية والنعل، أو نشتري نعالاً آخر من نوعية (كارتيه أو تميمه)، أشهر ماركتين للنعال في ذلك الوقت، يسألك صديقك عن ماركة النعل فتأتيه الإجابة بفخر واعتزاز، كان إحساسنا ونحن نمشي بنعال من هذه النوعية في تلك الفترة لا يختلف عن إحساس قيادة سيارة بورش في وقتنا الحاضر.
قبل العيد بيوم أو يومين نكون جاهزين تماماً لاستقبال أول أيام العيد، تلك الفترة كان يصعب علينا الحصول على معلومة دقيقة تتعلق بتحديد اليوم الأول لعيد الفطر قبل منتصف الليل، أما إن كان عيد الأضحى أو "العيد الكبير" كما نسميه فهنا الأمر مختلف، لأننا نعرف متى هو العيد دون الحاجة لسماع الأخبار.
تعد ليلة العيد من أصعب الليالي علينا، كلنا يفكر ماذا سيفعل خلال أيام العيد الثلاثة؟ يبدأ أحدنا بتجهيز الكندورة التي سيرتديها بعد أن يتأكد من كيّها ثم يعلقها بحذر، يتأكد من وجود (الشورت الشرعي أو الشورت ذو اللون المخطط على الجانبين)، يضع علبة نعاله الجديد قرب باب الغرفة، ويُخرج النعال ليبدأ بالمشي قليلاً في أرجاء الغرفة ثم يعيده مرة أخرى داخل العلبة.
يستلقي على فراشه، سواء كان سريراً أو مرتبة على الأرض، يغمض عيناه محاولاً النوم، إلا أن مشكلة الأرق وعدم القدرة على النوم تحول بينه وبين راحته، يفكر كثيراً فيما سيقوم به في الغد ويمر عليه شريط أشبه بمخططٍ لرحلةٍ أو خط سيرٍ لما سوف يفعله.
يبدأ بالتفكير في البيوت التي سيمر عليها في الفريج للحصول على العيدية، كان أغلب المواطنين يعايدون الصغار بدرهمٍ واحد، وبالطبع كنا نفضل المرور على البيوت التي نعلم أننا سنحصل منها على أكثر من درهم، خاصة الجيران المقربين، نفكر في تجنب المشي في (السكيك) كي لا يتسخ نعالنا أو يغطيه غبار الرمال فنضطر لمسحه وتنظيفه كثيراً.
يفكر أحدنا كم يا ترى سيجمع من نقودٍ، وما الذي يمكن أن يشتريه، ربما يشتري بالعيدية سيكل (دراجة هوائية) جديد من نوع "بي أم اكس"، وربما لعبة "أتاري" جديدة للاستمتاع بها خلال اجازة الصيف، نتذكر دكان "غلوم" الذي يستعد للعيد بعرض العشرات من الألعاب الصغيرة والدمى بصفّها على طاولة كبيرة أمام الدكان.
نفكر في والدنا؛ لا نرغب أن يزور أولئك الذين يعطون عيدية شحيحة، بمجرد أن نصل إلى بيوتهم نبدأ بالتذمر بيننا وبين أنفسنا، دائماً نودّ أن يزور الأهل والأقارب الذين يعايدون بمبالغ كبيرة كالعشرة دراهم، فقد كانت ورقة العشرة دراهم تمثّل مبلغاً كبيراً بالنسبة لنا، وحين نحصل على عيدية عبارة عن ورقة نقدية قيمتها مائة درهم من أحدهم فإننا نستعد لإعلان اسم هذا الشخص للعالم كله.
كنا نريد أن نفعل أشياء كثيرة في العيد، نريد أن نتوجه إلى منتزه الجزيرة، ونريد اللعب في النصر ليجرلاند، ونريد الذهاب إلى حديقة الحيوانات، ونريد فعل الكثير من الأشياء الجميلة والمسلية، تنتهي الأفكار ونحاول الاستسلام للنوم لكننا ننتقل من فكرة لأخرى، نغمض أعيننا بلا فائدة، ثم ننهض للتأكد من تجهيزنا للنعال أو للتأكد من أن كل حاجياتنا الأخرى جاهزةً لصباح الغد، ثم نعود ونستلقي على الفراش مجدداً، وبمجرد أن نغفو لفترةٍ قصيرة جداً، نستيقظ بسرعة كبيرة حالما نشعر باقتراب والدتنا التي حضرت لتوقظنا لنستعدّ لصلاة العيد.... كل عام وأنتم بألف خير وعساكم من عواده.
almzoohi@
