هي حكاية نستعيد منها الماضي، ونتشارك فيها البدايات. نتقاسم معها القدم، ونتجلى معاً أحلى الذكريات. مع قدامى عاشوا الماضي وعايشوا الحاضر ولا يزالون. سنواتهم عامرة بالعطاء، وأيامهم زاخرة بالمواقف والذكريات. لديهم المزيد دوماً.. حكاياتنا في رمضان قصصٌ تستحق أن تُحفظ في ذاكرة التاريخ، وتوثيقٌ يصلحُ للحاضر ويزهو حتماً في المستقبل، حكاياتنا فيها عبرة وقدوة للأجيال، ولها سطوة في سجل الطموح، حكاياتنا مع الماضي تحمل من التشويق الكثير، ومن الصبر والإصرار والطموح ما هو أكبر، حكاياتنا تزودنا كل يوم بمواقف ثرية ونماذج فريدة من العطاء. حكاياتنا تستحق التوقف والإمعان، وتفرض قصراً التقدير والاحترام.. لكل يوم حكاية، واليوم هذه حكايتنا.
يستذكر الدكتور ياسين الشحات استشاري ورئيس قسم الكلى والأمراض الباطنية في مستشفى برجيل بأبوظبي، وهو من الرعيل الأول من الأطباء الذين قدموا للعمل في الدولة، ما شاهده على مدار الثلاثة عقود الماضية في دولة الامارات من تطور وازدهار فاق كل التصورات، ويقول "إن ما طرأ على مستوى خدمات الرعاية الصحية خلال تلك الفترة في كل تفصيلاتها أشبه بالحلم الذي يتراءى للإنسان في وقت قصير وعندما يستفيق من هذا الحلم سرعان ما يراه محققا على أرض الواقع.
ويقول الدكتور ياسين الشحات الذي عمل في بداية حياته قبل ثلاثة عقود في وزارة الصحة ومستشفيات الجزيرة ومدينة الشيخ خليفة الطبية، ومن ثم انتقل للعمل في القطاع الخاص، إن التقدم الهائل في قطاع الصحة في دولة الامارات لم يأت بالصدفة، وإنما جاء مبنيا على تخطيط جيد وأموال ضخمة وجهود جبارة بذلت في شتى المجالات الطبية، إضافة إلى تأسيس بنية تحتية عملاقة قابلة للتطور والتوسع اسهمت إلى حد كبير في تطور القطاع الطبي في كافة التخصصات، إضافة استئصال العديد من الأمراض المعدية والسارية التي كانت منتشرة في الإمارات قبل أربعة عقود من الزمن، والتي اختفت تماماً في الوقت الحاضر.
ويشير الدكتور الشحات إلى أنه على امتداد السنوات الماضية شهدت دولة الامارات تغيرات جوهرية على خارطة الأمراض السائدة في المجتمع ما قبل السبعينيات، فقد استطاعت الجهود الكبيرة التي بذلت في سبيل السيطرة على تلك الأمراض والتدخل للوقاية منها ان تؤدي إلى انخفاض كبير في الأمراض المعدية واختفاء العديد منها بصورة نهائية، ولكن في ذات الوقت وخلال السنوات القليلة الماضية انتشرت الأمراض المزمنة مثل السكري وضغط الدم وأمراض القلب والشرايين بين جميع فئات المجتمع، مما يستلزم تأسيس استراتيجية وخطط وبرامج تثقيفية وعلاجية للحد من تلك الأمراض.
وأوضح أن التقدم الهائل الذي طرأ على مستويات الرعاية الصحية في دولة الإمارات أدى إلى انخفاض معدل الوفيات بين الأطفال إلى 4 وفيات لكل ألف مولود وارتفاع معدل العمر المأمول عند الولادة إلى 78 عاما وهي تقريبا نفس المعدلات في الولايات المتحدة الأميركية، مما يؤكد نجاح الاستراتيجية الصحية في الدولة فيما يخص تحسين مستوى الصحة والنهوض بحياة الانسان.
ويؤكد الدكتور الشحات أن القيادة الحكيمة في دولة الامارات منذ البداية أولت أهمية قصوى للإنسان باعتباره الثروة الحقيقية والمحور الاساسي لكافة برامج التنمية الوطنية والحفاظ على صحته وتعليمه ورصدت لتحقيق هذا الهدف أموالاً ضخمة خاصة في مجال تعليم وتدريب العنصر المواطن وابتعاث مئات المواطنين إلى الخارج ليحصلوا على كافة التخصصات الطبية، والذين نراهم الآن يحتلون مراكز مرموقة في المستشفيات الحكومية والخاصة على حد سواء.
مسيرة التطور
ويشير إلى أن مسيرة التطور في القطاع الصحي في دولة الامارات بدأت بعدد قليل لا يتجاوز 7 مستشفيات و12 مركزا صحيا وبما لا يزيد على 700 سرير على مستوى الدولة في عام 1972، ونتيجة للتطور المستمر والاهتمام الحكومي والجهود المبذولة تضاعف المستشفيات والعيادات والمراكز الصحية عشرات المرات، كما شجعت الدولة رجال الأعمال في الداخل والخارج على الاستثمار في القطاع الصحي، وكانت نتيجة لذلك انتشرت مئات المستشفيات والمصانع الدوائية والمراكز العالمية في ربوع الإمارات.
وقال إن وزارة الصحة في دولة الامارات منذ عام 1975 تبنت قرارات منظمة الصحة العالمية واليونيسف فيما يخص تحصين الأطفال ضد الأمراض الستة التي تشكل خطورة على صحة الطفل وهي الدرن والحصبة وشلل الأطفال والكزاز والدفتيريا والسعال الديكي، وتم تطوير البرنامج الوطني للتحصين واضافة العديد من الأمراض الأخرى ووصلت التغطية بالتطعيمات الضرورية للأطفال ما يزيد على 95% فيما تجاوزت مراكز التطعيم اكثر من 180 مركزا.
الارتقاء الصحي
ويضيف الدكتور ياسين الشحات حول نجاح دولة الامارات في التخلص النهائي من مرض الملاريا بقوله "في عام 1968 أجرت منظمة الصحة العالمية دراسة وبائية اثبتت أن مرض الملاريا مستوطن في الدولة، وأن معدل الايجابية لطفيل الملاريا في عينات الدم تفاوتت بين 30 إلى 60% وهي نسبة عالية جدا، ومنذ عام 1970 بدأت أعمال المكافحة على مستوى الدولة وأنشئت أول وحدة لمكافحة المرض كأحد اقسام إدارة الطب الوقائي في وزارة الصحة في وزارة الصحة في عام 1972 وبلغ مجمل الحالات في ذاك العام 80 ألف حالة من إجمالي نصف مليون نسمة في ذلك الوقت، ومع تكثيف المكافحة والعلاج انخفضت هذه النسبة في عام 1998 إلى أقل من 30 حالة إلى أن تم اعلان الدولة خالية من مرض الملاريا نهائيا.
أمراض مزمنة
يتم التركيز في الوقت الراهن على مكافحة الأمراض المزمنة التي اصبحت تشكل عبئا ثقيلا على كاهل خدمات الرعاية الصحية في الدولة، خاصة أن مرض السكري اصبح يمثل حوالي 20% من السكان، كما أشارت الدراسات الحديثة إلى أن 31% من سكان الإمارات يعانون من ضغط الدم المرتفع وتصل النسبة إلى أكثر من 50% لدى الفئات العمرية التي تزيد أعمارها على 50 عاماً.


