مثل هذه الأيام قبل 23 عاماً مرت منطقة الخليج بمنعطف خطير وأزمة ما زالت تؤثر علينا إلى يومنا هذا، حيث تواترت الأخبار عن غزو القوات العراقية لدولة الكويت، كان الأمر غريباً وغير واضح بالنسبة لنا في ظل غياب القنوات الفضائية التي ترصد الأحداث أولاً بأول، سمعنا عن قوات عراقية تدخل الكويت، وتحولت الإذاعات الكويتية إلى بث بيانات غريبة، ثم نسمع المغفور له بإذن الله سعد العبدلله الصباح يتحدث من إذاعة سرية ليعلن خبر العدوان الغاشم.

استشعرت دولة الإمارات وباقي دول الخليج بالوضع غير المستقر، فأعلنت حالة الطوارئ تأهباً لما قد يحدث خاصة مع التهديدات العراقية بأكل الأخضر واليابس، واستنفرت القوات المسلحة والداخلية والشرطة بعد اتضاح الموقف الحقيقي للغزو العراقي، فاستمرت العين الساهرة في العمل دون كلل ولا ملل لحفظ الأمن في الدولة من أي خطر.

كذلك توقفت المحطات الأرضية عن بث برامجها العادية، وبتنا للمرة الأولى نسمع عن قناة السي ان ان التي كانت تبث برامجها على محطاتنا الأرضية وخاصة من خلال تسليطها الضوء ومتابعة مستجدات الأحداث في المنطقة، ومن يومها صرنا نطلق على أحدهم لقب سي ان ان للدلالة على أنه مصدر أخبار وسوالف معتمد!

وخلال منتصف شهر أغسطس ظهرت المؤشرات الجادة على أن العراق لن يتراجع عن احتلاله للكويت، فأعلن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، عن فتح باب التطوع العسكري لأبناء الإمارات للدفاع عن الوطن وحمايته من أي تهديد محتمل.

التحق الكبار والشباب والصغار بمعسكرات التسجيل لدورة التطوع العسكري، هناك من ترك أعماله وتجارته، ومن ترك دراسته ليلتحق بالدورة، حتى أني اعرف البعض ممن لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره أصر على الالتحاق بالدورة.

استمرت التدريبات العسكرية لعدة أسابيع، تدرب الجميع بإصرار وعزيمة تلبية لنداء الوطن، كان الجو حاراً جداً وبعض المعسكرات اكتفت بتوفير الخيام، رغم هذا لم يتذمر المتدربون بل زادوا إصرارا في التدريب ليتعلموا التدريبات العسكرية الأساسية واستعمال الأسلحة بل إن البعض قاد دبابة وهو لم يقد سيارة في حياته، وهناك من تأثر بالعسكرية لدرجة أن أحدهم قام بأداء التحية العسكرية بطريقة عفوية عند تكريمه في جائزة راشد للتفوق العلمي بدلاً من السلام العادي على راعي الحفل.

ومع الإعلان عن تخريج دورة التطوع، اجتمع المتدربون من مناطق الدولة المختلفة في عرض عسكري حضره المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، كان شعوراً بالفخر والاعتزاز عندما اجتمع القائد مع الضباط والجنود والمتدربين في ميدان واحد، طاف فيها القائد ليحيي الجموع الكبيرة من الخريجين العسكريين، ليعلن بعدها جاهزية الشعب للدفاع عن الوطن.

في ذلك الوقت وبعد الغزو بأيام كانت الأسر الكويتية قد بدأت بالتوافد على دول الخليج ومنها دولة الإمارات، فوجدت الترحيب الحار من المجتمع الإماراتي، حتى أن بعضهم درس في مدارس الدولة، وهناك من عاش مع إماراتيين في نفس البيت، كما أصدر الشيخ زايد أوامره بعزف السلام الوطني الكويتي جنباً إلى جنب مع السلام الوطني الإماراتي في طابور الصباح تقديراً لدولة الكويت وأميرها وشعبها.

وانطلقت الحرب في شهر يناير أي بعد الغزو بحوالي خمسة أشهر فظل المتطوعون في حالة تأهب تحسباً لأي عمل قد يطلب منهم، وشاركت قوات التحالف في حرب تحرير الكويت، وتم الإعلان عن خطط للطوارئ بعد التهديدات العراقية، فظهرت برامج تلفزيونية، وبالغ البعض في ردة فعله خاصة السيدات، حيث كان هناك خوف من استخدام الأسلحة الكيماوية فاستنفروا في البيوت لتغطية كل المداخل والمخارج وفتحات المكيفات باللصق، وذلك لمنع دخول الغازات الكيماوية وغيرها.

وأخذ البعض الآخر في تخزين المواد الغذائية في البيوت تحسباً لأي موقف، وكان إذا ما سمع أحد هؤلاء البسطاء صوتا عاليا حتى لو كان انفجاراً لإطار سيارة يصيبه الخوف والهلع، بطبيعة الحال كانت بعض ردات الفعل مبالغاً فيها بسبب بساطتهم وتأثرهم بالتقارير الإخبارية المختلفة.

كانت تلك الفترة عصيبة حتى تحررت الكويت، ولكنها فترة أثبتت أن خليجنا واحد ومصيرنا مشترك، وسنقف دائماً ضد أي تهديد خارجي وقفة رجل واحد.

 

almzoohi@