الغوص في الإمارات، من المهن التي مارسها أهل الساحل على امتداده الغربي والشرقي، لكسب أو بالأحرى خطف لقمة العيش من أعماق الحياة الصعبة آنذاك. هذه المهنة الصعبة والخطيرة حملت في طياتها الكثير من الدروس الدالة على حجم التلاحم والتعاون بين الأفراد، ضمن نسق اجتماعي يشارك فيه جميع أفراد المنطقة، ويواجه الإنسان كافة المشقات والصعوبات بروح تبدو أكثر اندفاعاً للحصول على اللؤلؤ وبيعه، ثم كسب الرزق الحلال لإعالة أسرته.

هذه المهنة حفزت سكان الساحل الغربي من دولة الإمارات، لاحتراف الغوص على نحو عميق، لاسيما وأن هذا الموقع الجغرافي يعد من أغنى المواقع وأشهرها في جلب اللؤلؤ أو المحار، ما فتح أمام النواخذة والبحارة آفاقاً رحبة نحو التجارة.

مغاصات بعيدة

الوالد عبدالله محمد ينقلنا إلى أحاديث مشوّقة عن الغوص، مستحضراً مواسم الغوص وأنواعها الأربعة: «العود» الذي يعتبر من أطول أنواع الغوص، وتتجه فيه السفن والمراكب إلى «المغاصات» البعيدة ليمتد زمن الرحلة نحو أربعة شهور وأكثر، وثمة غوص آخر يطلق عليه «الخانجية» وهو حكر على فصل الشتاء، وغوص «الردة» الذي لا تستغرق زمن رحلته أكثر من شهر، وأخيراً «القحة» الذي يعتمد على الغوص في الأماكن القريبة من اليابسة، مشيراً إلى أن الغوص عالم عريض، بحاجة إلى جلسة مطولة، ولا يمكن اختصاره في سطور قليلة.

فصل الصيف

عادة ما يبدأ موسم الغوص حسب ما أكد الوالد عبدالله، مع بدء دخول أيام الصيف الحار، ويشترط في رحلة الغوص أن يعود الجميع في شهر شعبان أو قبله استعداداً لشهر رمضان، وقبل المغادرة بأيام، يحرص «القلاف» على صيانة السفينة وتفقد أحوالها، وتنظيفها من الشوائب العالقة من رحلة الغوص الأخيرة بمساعدة البحارة، إلى جانب سد الفتحات بين الأخشاب منعاً لتسرب المياه. كذلك يهم الجميع بعد الانتهاء من عملية الصيانة إلى طلاء السفينة معلنين استعدادهم التام للانطلاق في رحلة غوص جديدة.

وأوضح عبدالله محمد أن الغوص بلغ ذروته مطلع القرن الماضي، إذ شهدت هذه المهنة رواجاً منقطع النظير، ففي الصباح ترى الجميع متجهاً نحو «المغاصات» القريبة متوسطة العمق من الأرض «القحة»، ومنها على سبيل المثال «الزهرة» وتقع غرب إمارة دبي، ويتم فيها صيد الأسماك بواسطة الخيط الرفيع «الحداق».

«الهيرات» المحلية

ويطلق على «العود» مع أسطول الغوص، اسم «السنيار» ويصل عدد المراكب فيه إلى 20 سفينة، وتسمى «المغاصات» «هير»، وقد انتشرت على سواحل الإمارات وتحديداً السواحل الغربية القريبة من إمارة أبوظبي مجموعة من «الهيرات» أهمها: هير أم الغبر، وهير الغلان، وهير أبو الضلوع، وهير العميرة، وهير المعترض، وهير أبو البزم القريبة من جزيرة «داس»، وغيرها الكثير من «الهيرات» التي غاص إليها البحارة بحثاً عن المحار.

اللؤلؤة

تتكون اللؤلؤة عن طريق دخول حبة رمل أو جسم غريب داخل المحار أو الصدفة التي يسكن في جوفها حيوان أملس الجسم سريع التأثر، يدافع هذا الحيوان عن نفسه بطريقة مدهشة، إذ يفرز مادة لؤلؤية تجعل الجسم أملس وناعماً كما تبدو لنا اللؤلؤة، وكلما كان الإفراز قوياً، ارتفعت جودة اللؤلؤة. وحمل اللؤلؤ مسميات مختلفة منها: «الجيون» وهي من أجود أنواع اللآلئ وأثمنها، و«القولوة» وهي لؤلؤة أقرب أن تكون بيضاوية الشكل، و«بوكة» وهي من اللآلئ الصغيرة.