كلما شاهدت لقطات من رسوم «سبونج بوب» وغيرها من مسلسلات الكرتون التافهة التي تبث هذه الأيام، ينتابني نوع من الحزن والأسى على ما بات يعرض في السنوات الأخيرة للأطفال، والمصيبة التي ترفع ضغطي أكثر تعلق الأطفال بها مع أنها خالية من الفكر والمضمون ومن كل شيء، بل إنها تحمل رسائل غير تربوية في بعض الأحيان دون أن نشعر بذلك.
يأخذني الحنين عندما اجلس مع أولادي إلى مسلسلات الكرتون القديمة التي كانت تبث في أيام طفولتنا، فبرغم قلة عدد المحطات الأرضية في تلك الفترة وسوء البث واضطرارنا إلى تدوير الهوائي من حين لآخر إلا أننا استمتعنا بتلك المسلسلات وتأثرنا بها وصارت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية.
أتذكر مغامرات السندباد الذي كان أول مسلسل يتم دبلجته، وقد بث للمرة الأولى ربما في عام 1978 تقريباً، تابعته بشغف لأشاهد مغامرات الفتى الصغير في رحلة البحث عن والده برفقة علي بابا وعلاء الدين وياسمينة، ثم تم بث مغامرات الفضاء (جرانديزر) في قصص التصدي لغزاة الفضاء، نشدو بأغنية البداية:" علي علي جبل فليد.. هيا طر يا جرانديزر.. عدوك فاحذر.. سلح نفسك... ناضل للدفاع". لم يكن يختلف من حيث المبدأ مع مسلسل "جونقر" الذي بث بعده بفترة قصيرة، ومع ذلك فقد كانت مشاهدتهما تمثل متعة لنا.
تراودني تلك اللحظة فكرة تصفح موقع اليوتيوب للبحث عن هذه المسلسلات القديمة الرائعة، أتنقل من مسلسل إلى آخر، يظهر لي مسلسل ريمي الفتى مع فرقة الكلاب، أستمع لشارة البداية الجميلة: نقطع الدروب..نفرح القلوب.. ولنا في كل شارع صديق.. نقطع المدى.. لا نؤذي أحداً... نزرع الفرح في كل طريق.
استرجع الذكريات مع جزيرة الكنز التي أبدع فيها سامي كلارك بصوت سيلفر، لا أنسى الجملة الأشهر في المسلسل: خمسة عشر رجلاً ماتوا من أجل صندوق، لا أستطيع التوقف عن المشاهدة ومتابعة المزيد، أتوقف عند مسلسل ساسوكي، الفتى الذي يجيد فن (الكوغا)، يحارب الأشرار بتحوله إلى عدة أشكال مثل الطائر الناري وغيرها من الأشكال.
قد يظهر لي مسلسل أبطال الملاعب، أشاهد التنافس في بين المدارس المختلفة في دوري المدارس، تعجبني كما تعجب غيري شخصية حميدو شامل، نحاول أن نقلد تسديداته على أرض الواقع، نسدد على الجدران، نطلق على تسديداتنا مسميات مختلفة، تارة نسميها الضربة اللولبية وتارة أخرى الضربة الصاروخية والضربة الحنيشية... الخ بعد أن تقمص كل واحد منا دوره في هذا المسلسل.
تشعر في تلك اللحظات بالرغبة في الاستمرار مع مشاهد من الرجل الحديدي في صراعه مع الإمبراطور ساتولا الذي يتحكم بالديناصورات، ثم تتنقل بعدها لمشاهدة حلقات من النسر الذهبي في تلك الرحلة الطويلة التي يقطعها الفتى بيبيرو ورفاقه للبحث عن والده في الألدرادو مدينة الذهب.
وقد تظهر لك حلقات من مسلسل هايدي، لم تكن تستهوينا هذه المسلسلات مثلها مثل فلونة وساندي بل وسالي، كان لها طابع بناتي وأنثوي أكثر من الأولاد، خاصة في تلك الفترة من الشقاوة وكثرة الحركة، لذا كانت هذه هي الخيار الأول للبنات في تلك الفترة.
تستمر في المتابعة وقد تخنقك العبرة، تود أن ترجع طفلاً صغيراً لتعيش تلك اللحظات من جديد، تتذكر لهفة انتظار المسلسلات وقت العصر بعد السلام الوطني والقرآن الكريم والحديث الشريف الذي يقدمه الشيخ عمر الداعوق - رحمة الله عليه -، تتابع شخصيات ومسلسلات تركت أثراً في شخصياتنا، كانت حقبة رائعة أبدعت فيها عدد من المؤسسات العربية في دبلجة هذه المسلسلات في فترة السبعينات والثمانينات.
حقيقة لا أعرف لماذا أصبح هذا الانحدار في مسلسلات الكرتون المدبلجة، لا هدف ولا مضمون ولا قيم يمكن أن ترسخ في عقلية الطفل، ربما كانت تحوي المسلسلات القديمة بعض العنف، إنما كان قليلاً من العنف من أجل الخير، تعلمنا الكثير من القيم، غرست في عقولنا مبادئ التعاون والصداقة والتضحية ضد الشر، وأن الخير سينتصر مهما طال الزمن.
بصراحة كم أتمنى لو يعود ذلك الزمان ليعيش أطفال اليوم ما عشناه أيامنا تلك، ويعرفوا الفرق ما بين مسلسلات الزمن الجميل ومسلسلات هذه الأيام.
almzoohi@
