لا شيء كان يعادل الفرحة والسعادة التي كنا نشعر بها عندما كان يسمح لنا أهالينا بقيادة السيارة، كان بالنسبة لنا مثل الحلم الذي طال انتظاره، يود الواحد منا أن يكبر بسرعة ليتمكن من قيادة السيارة والتجول بها من مكان إلى آخر، وكلما رأيت أحد معارفك يقود سيارته بعد حصوله على رخصة السياقة تشعر بتلك الغيرة التي لا يمكن وصفها، قد يعتقد البعض أنها كانت أحلام البسطاء ولكنها لم تكن تقتصر على البسطاء فقط، بل كانت رغبة كل فتى في مرحلة المراهقة وربما ما قبلها.

بدأ البعض منا في تعلم قيادة السيارة منذ الصغر على يد والده أو احد أقربائه، في تلك الفترة كانت اغلب السيارات ذات ناقل حركة يدوي عادي وليس اتوماتيكيا، أي أن الواحد منا يضطر إلى استخدام كلتا قدميه في القيادة إضافة إلى استعمال اليد اليمنى لتغيير ناقل الحركة.

عندما كنا نجلس قرب الدكان أو نلعب كرة القدم في الملعب الرملي لا بد أن يمر علينا أحدهم ليستعرض سيارته الجديدة أو على الأقل ليخبر الجميع أنه حصل على رخصة السياقة، لحظتها يقفز عدد من الأولاد إلى السيارة ليأخذهم في جولة ثم ينزلهم ويركب معه أولاد آخرون، ولا بأس بشيء من الاستعراض وتدوير الإطارات بسرعة على الشارع، وقد تكون المناسبة كبيرة ليوزع المشروبات الغازية على المتواجدين احتفالاً بالحصول على رخصة السياقة.

والبعض كان يقود السيارة بدون رخصة سياقة، ومن غير المستغرب أن تمر أمامك سيارة من نوع سوزوكي أو ديهاتسو بالكاد تستطيع رؤية سائقها، وربما يكون قد وضع وسادة على كرسي سائق ليتمكن من النظر من خلال الزجاج الأمامي، وقد يستعرض بسيارته في الرمال والدوران بها يمنة وشمالاً، وقد تنقلب السيارة فنسارع إلى نجدته وإعادتها إلى وضعها الصحيح قبل وصول الشرطة.

وقد يقوم البعض بسرقة مفتاح السيارة على حين غفلة من الكبار، ثم يتم اكتشافهم بسرعة خاصة عندما تنتشر تلك الرائحة الكريهة من السيارة بسبب عدم القدرة على استخدام الكلتش (القابض) عند تغيير ناقل الحركة، يكون حينها العقاب شديداً في حوش المنزل بطريقة بشعة قد تحتج عليها منظمات حقوق الإنسان.

كان يمكن الحصول على استمارة تعليم السياقة قبل بلوغ سن الثامنة عشرة، بل ان هناك من نجح في الحصول على رخصة سياقة في سن السادسة عشرة بعدما تمت إحالته إلى لجنة تقدير العمر.

كان اختبار السياقة مكونا في المرحلة الأولى من الموقف والكراج والتل، إذ يتعين صف السيارة في الموقف من حركة للخلف وأخرى للأمام فقط، كما يجب أن يعرف السائق كيف يصف سيارته في الكراج، ثم يتم إيقاف السيارة على التل، والتحرك بها للأمام مع عدم رجوعها للخلف، وفي حالة تخطيك كل ذلك بنجاح يتم إحالتك لاختبار رموز الإشارات والعلامات المروية.

أما المحك الحقيقي فيكون في اختبار السوق أو المدينة، هنا يكرم السائق أو يهان، خاصة وأن البعض في تلك الفترة قد استغرق حوالي ثلاث سنوات ولم ينجح، والبعض الآخر رسب مرات عديدة في هذا الاختبار، بل أن هناك من اعتبر أن رخصة السياقة تعادل الدبلوم الدراسي بعد الثانوية من شدة صعوبة الحصول عليها.

مع بداية اختبار السياقة تشعر بنوع من الخوف والتوتر، تنظر ذات اليمين وذات الشمال فتشاهد أصحاب سوابق عديدة في الرسوب المتكرر، تنظر للأمام فتجد ضابطاً صارماً سيقوم باختبارك اليوم، تفكر في الأصدقاء في الفريج، وكيف سيضحكون عليك إن علموا برسوبك فتكون في نظرهم دريول شوله.

تقود السيارة في وسط المدينة، تتوقف عند الإشارات والدوارات، وعندما يشعر الضابط بأنك قد تصدم احدهم يقوم باستخدام الفرامل من جهته، هنا تعرف لا محالة بأنك في ذمة الله، وإذا ما كانت قيادتك جيدة فتستمر لفترة أطول، وعندما يطلب منك الضابط الدخول إلى احد الشوارع الداخلية تعرف حينها أن الاختبار على وشك الانتهاء، يضرب الضابط بيده على تابلوه السيارة بقوة، تلك هي الإشارة للتوقف المفاجئ في الشارع باستخدام الفرامل وهي تعتبر اختبارا في حد ذاتها، البعض يرتبك عند سماع الضربة فلا يعرف ماذا يفعل أما السائق الفطن فيضغط بقوة على الفرامل ويوقف السيارة لينهي الاختبار، وبعدها إما فرحة ما بعدها فرحة وإما سواد وجه قد يستمر طويلاً!

almzoohi@