كل شاب من جيل الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات لا بد أن تجد به آثار ندبات وجروح على أماكن مختلفة من جسده، لدرجة تعتقد فيها أن كل واحد من أشقياء تلك الفترة قد خاض حرباً من تلك الحروب التي وقعت أيام الجاهلية مع عنتر بن شداد والزير سالم.

وأكثر ما تجد هذه الندبات في منطقة الساقين واليدين والجبهة، ولا بد أن يكون قد تعرض لضربة في رأسه ناتجة عن سقوطه من أماكن مرتفعة، أو ربما من جراء فلعة بقطعة خشبية أو حجر مثل تلك التي تلقاها الحكم المساعد محمد الجلاف في دوري المحترفين في الموسم الماضي.

قياساً بطريقة الحياة في تلك الفترة كان من الطبيعي جداً أن وجود هذه الندبات، خاصة وأننا كنا نمشي حفاة وليس عراة لمسافات طويلة في الشارع والأماكن التي تكثر فيها المسامير والزجاج المكسور وغيرها، نتسلق الجدران والأشجار وقد نسقط من أماكن مرتفعة فنتعرض للجروح والخدوش والكدمات، وفي بعض الأحيان تكون ناتجة من احتكاك أقدامنا وسيقاننا بالدراجة الهوائية وسقوطنا منها على شيء حاد، قد نلعب قرب شجرة السدر فنجد أنفسنا دون أن نشعر وسط أغصان السدرة وقد أصابتنا الأشواك في كامل أجسادنا، فتظهر آثار الخدوش التي قد لا تختفي نهائياً.

كانت الجروح تأتينا من حيث ندري ولا ندري من طريقة لعبنا في تلك الفترة، وعندما ننتبه لوجود جرح ينزف دماً فإنّ الإجراء الأول يتمثل في وضع التراب على الجرح أملاً في توقف النزيف، ثم يتم الركض باتجاه المنزل، وبمجرد الوصول إلى هناك يتم إعلان حالة الطوارئ، ليتم تفقد الجرح ومداواته بالعايدين (مطهر أحمر اللون وأزرق في أحيان أخرى)، أو قد يتعين نقله للعيادة لخياطته ومداواته، وعند نقلك للمستشفى ستسمع عبارات مختلفة مثل (أعمى، أنت ما تشوف، عنبوك وين عيونك)، ولا بأس بضربة على فخذك أو ضربة على ظهرك حتى تصل للعيادة.

إذا ما تم التوجه للمستشفى فهذا يعني خياطة الجرح على الأغلب، وبالتالي بعد يومين أو أكثر ستجد أن الجرح لم يلتئم أو يحتاج إلى مداواته بسبب اللعب وعدم الاكتراث، سيكون حظك سعيداً إن لم تنل منك الخيزرانة على أجزاء متفرقة من جسدك من جراء عدم الاكتراث، وسيكون بعدها العلاج بالقهوة المطحونة التي توضع مكان الجرح أفضل علاج لالتئامه بعد لف موضع الجرح برباط غالباً ما يكون عبارة عن قطعة قماش من ملابس قديمة، ثم ستفاجأ بالمفعول الغريب للقهوة المطحونة، حيث يلتئم الجرح بعد أيام مع وجود بقعة سوداء تعتبر العلامة التجارية لأثر القهوة على الجرح.

ومن الإصابات السيئة التي ممكن أن يصاب فيها الواحد منا، عندما يدوس على مسمار حليان (صدئ)، تشعر لحظتها بشيء يخترق قاعدة قدمك، فتصرخ تلك الصرخة الأسرع من سرعة الصوت، لحظتها لا بد أن تتدارك نفسك وإلا فإن الالتهاب الذي قد يحدث من جراء الميكروبات والجراثيم سيجعلك تعيش أياماً من الألم بصحبة الحمى.

البعض كان يقدم على حركة غريبة بعد أن يدوس على المسمار، إذ يقوم البعض بالإمساك بالنعال، واستعماله في ضرب موضع ضربة المسمار أو الجرح أملاً في خروج ما يمكن أن يسبب الالتهاب، ثم تبدأ المعالجة المنزلية، فقد كان يوضع قليل من التمر ثم يرش عليه الملح والكركم ويصب عليه زيت الزيتون لتصبح مثل العجينة وتوضع بعدها على النار، ثم تلف مكان الجرح بقماش ضاغط، وهناك من كان يوسم (الكي) مكان ضربة المسمار، وفي الغالب كان هذا العلاج ناجحاً، وإن لم ينجح فإن العلاج في المستشفى سيتطلب حقنة ومضاداً حيوياً وغيرها من طرق العلاج الحديثة.

عندما نقارن تلك الأيام بأيامنا هذه نجد أن الوضع اختلف كثيراً، فلم يعد يصاب الأولاد بتلك الجروح التي كنا نصاب بها، بل إنّ أغلبهم قد يصاب بجرح في داخل المنزل عن طريق الصدفة، وليس مثل تلك الشقاوة التي عشناها لدرجة أنّ الشياطين كانت تخاف علينا أكثر مما كنا نخاف على أنفسنا!

 

almzoohi@