نقرأ بين الفينة والأخرى عن خبر ضبط حالات غش في المدارس والكليات والجامعات لا تخطر على بال إنسان، أساليب جديدة ومبتكرة تارة باستخدام البلوتوث وأخرى بالبلاك بيري، وثالثة بوضع سماعة في الإذن وتغطيتها بالحجاب أو الغترة، ورابعة بضبط حالة تم تخزين المنهج كاملاً في ساعة الكترونية حديثة، أو ضبط قلم الكتروني تستطيع أن تسجل فيه ما شئت من المعلومات.
حقيقةً كلما سمعت عن هذه التقنيات أتذكر أساليب الغش البدائية التي لا يزال البعض يستخدمها حتى يومنا هذا، وهنا أود التنويه أنه لا نقصد بحديثنا عنها التشجيع عليها بل الحديث عن الذكريات القديمة التي يتذكرها أبناء جيلنا على وجه الخصوص.
كانت فترة الامتحانات في تلك الفترة تختلف عما عليه في يومنا هذا، على الأغلب كان الطلبة يؤدون الامتحانات في نفس الفصل الذي يدرسون فيه، لذا كان من الطبيعي جداً أن تجد الطلبة قد دونوا وكتبوا العديد من العبارات على الطاولات إما بالقلم الرصاص أو الحبر الجاف.
كذلك تفنن البعض في أساليب الغش البدائية مثل الكتابة على اليد، وكان البعض يقضي ليلة الامتحان في الكتابة على الوزار أو باطن الدشداشة، أو قد يطوي البرشامة داخل القلم ليسهل عليه قراءتها عندما تسنح له الفرصة لذلك، أما صاحبنا عبود فقد ابتكر طريقة بدائية لا تخطر على بال إنسان، إذ قام بكتابة البراشيم ثم لفها بطريقة يستطيع بها إدخالها في فتحتي الأنف، وعندما يبدأ الامتحان يدّعي أنه مصاب بالزكام فيخرج البراشيم والكلينكس (المنديل الورقي) ليغش منها.
تلك كانت أساليب الغش الفردية أما الجماعية فكانت عن طريق رفع الورقة، واستخدام أسلوب الإشارات في أسئلة الاختيار من متعدد، وفي الغالب يكون هناك اتفاق مسبق على أسلوب الإشارة بحيث لا يثير شكوك المراقب في قاعة الامتحان.
كنا كطلاب نعرف المعلمين الذين يتساهلون معنا، أو الذين لا يستطيع الطالب أن يرفع نظره من على ورقة الامتحان كيلا يسحب الورقة أو التأشير عليها باللون الأحمر، وما أكثر ما كان يتم إخافتنا بهذا اللون أيام الدراسة والامتحانات، كان الأستاذ (م س خ ) حالة متفردة في الامتحانات، وقد رافقنا في الدراسة في المرحلة الإعدادية والثانوية على حد سواء، وعندما نعلم أنه سيراقب تكون سعادتنا لا توصف خاصة في الامتحانات الصعبة، إذ كان يجلس كالملك ثم ينهمك في قراءة الصحيفة بينما ينهمك الطلبة في الغش وتبادل أوراق الامتحان، أما الأستاذ (س ع) فقد كان يشتت انتباهنا بارتدائه النظارة الشمسية لنعجز عن معرفة اتجاه نظراته، نظل في حيرة قبل أن نكتشف أن النظارة الشمسية لا تهش ولا تنش، بل كان الهدف منها عدم اكتشافنا أنه يغط في سبات عميق!
وهنا لا بد أن تحضرني الحادثة الأكثر غرابة التي كان طرفاها سيف ومبارك، فقد كان سيف ينتهي من الإجابة على أسئلة الامتحان ثم ينزل للطابق الأرضي بحيث يستطيع مبارك الذي يجلس عند النافذة في الطابق الأول رؤيته جيداً، ويقوم سيف بكتابة الإجابات على لوح خشبي كبير، بينما ينقل مبارك الإجابات بسرعة، وبعد إعلان النتائج رسبا معاً، استغرب مبارك كيف له أن يرسب، إلا أن حجة سيف كانت بأنه غششه نفس إجاباته فإما يرسبان معاً أو ينجحان معاً.
وتنتهي الامتحانات ثم تكتشف أن البعض نجح رغم أنه لا يفقه شيئاً ولا يعرف كوعه من بوعه، بل إنه يتميز بالبلادة، ولا غرابة بعد سنوات طويلة أن تصاب بالقولون العصبي عندما تكتشف أن عدداً منهم قد أصبح مديراً له عدة مناصب، ولا تعلم حينها هل تاب من الغش أم لا يزال يزاوله على نطاق آخر.
بكل صراحة عندما تكبر وتعقل تقر بينك وبين نفسك أن أسلوب الغش لا يجدي نفعاً فالإنسان بذلك يخدع نفسه قبل أن يكون الموضوع نجاحاً في مادة دراسية، وإذا ما استسهلنا الغش ولم نغير تلك العادة فمن غير المستبعد أن يستمر الغش في شؤون كثيرة من شؤون الحياة.
almzoohi@
