هي حكاية نستعيد منها الماضي، ونتشارك فيها البدايات. نتقاسم معها القدم، ونتجلى معاً أحلى الذكريات. مع قدامى عاشوا الماضي وعايشوا الحاضر ولا يزالون. سنواتهم عامرة بالعطاء، وأيامهم زاخرة بالمواقف والذكريات.
لديهم المزيد دوماً.. حكاياتنا في رمضان قصصٌ تستحق أن تُحفظ في ذاكرة التاريخ، وتوثيقٌ يصلحُ للحاضر ويزهو حتماً في المستقبل، حكاياتنا فيها عبرة وقدوة للأجيال، ولها سطوة في سجل الطموح، حكاياتنا مع الماضي تحمل من التشويق الكثير، ومن الصبر والإصرار والطموح ما هو أكبر، حكاياتنا تزودنا كل يوم بمواقف ثرية ونماذج فريدة من العطاء. حكاياتنا تستحق التوقف والإمعان، وتفرض قصراً التقدير والاحترام.. لكل يوم حكاية، واليوم هذه حكايتنا.
ظريف رمضان ظريف مراد أحد أقدم التربويين وفي جعبته الكثير من الحكايات التي تستحق السرد قدم إلى دولة الإمارات عام 1979 معلماً لمادة الجغرافيا والاقتصاد والدراسات الاجتماعية في مدرسة ظبية بخورفكان التابعة للمنطقة الشرقية، ثم انتقل الى منطقة دبي التعليمية معلماً في مدرسة الإمام مالك منذ عام 1983م حتى 2003م ، ثم موجهاً تربوياً منذ عام 2003م حتى 2007م، في منطقة الشارقة التعليمية، ليستقر به المقام في منطقة عجمان التعليمية.
في لقاء معه سرد واقعة لا تزال ماثلة في ذهنه حتى الآن فقال: عندما كنت منهمكاً في شرح احد دروس مادة الجغرافيا وهي المادة التي يعرف عنها جمودها وعدم قابلية الطلبة للتفاعل معها، فإذا بصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي يدخل الفصل الدراسي مستأذناً بأدب متأصل في نفسه تلقاه من مدرسة ابيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله وحضر جانباً من الحصة، وابدى اعجابه بطريقة عرض المحتوى العلمي للمادة ومدى تفاعل الطلبة معي واحترامهم وانصاتهم لي عندما اتكلم، في البداية شعرت بحالة ارباك لكن هدوء وتواضع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أعاداني الى سابق عهدي وتعاملت مع الحصة شأنها شأن اي حصة دراسية اقدمها، وكان الدرس وما زلت اذكره عن الصناعة في جبل علي وكان من اجمل الدروس التي قدمتها ولا انساها وهي محفورة في ذاكرتي ودوماً اتحدث عنه عندما يكون المجال متاحاً لفتح خزانة الذكريات، خاصة انه كان مقرراً لسموه ان يحضر 3 دقائق فقط لكنه تكرم وبقي 10 دقائق مستمعاً للشرح.
ذكريات 1976
ويتابع ظريف عندما قدمت وانا من مواليد غزة عام 1952 الى الإمارات كنت حاصلاً على درجة البكالوريوس آنذاك من كلية الآداب والتربية، عام 1976م ، جامعة عين شمس بالقاهرة، كانت المنطقة الشرقية التي حطت رحالي بها بسيطة للغاية بيوتها متباعدة وسكانها اقرب الى البساطة منها الى التكلف والمدرسة التي عملت بها وهي ظبية في خورفكان كانت عبارة عن فصول صغيرة والطلبة يتعاملون مع المدرسة بإجلال وتقدير.
وكنا عندما يغيب الطالب يتوجه مدير المدرسة الى بيته للاطمئنان ومعرفة سبب غيابه وان كان مبرراً لمرض أو ارتباط عائلي هام يتركه لكن ان كان غياباً مقصوداً يجلبه مدير المدرسة الى الصف ويطلب منه عدم التخلف عن الحضور والا فاتته دروس مهمة، ورغم ان البساطة وصعوبة الظروف المناخية كانت سمة غالبة في ذلك الوقت الا أن السعادة والهدوء والقناعة هي السمات التي تغلف وجوه غالبية الناس في المنطقة.
تربية جادة وتميز
ويتابع الموجه التربوي: لا توجد أمة من الأمم يتم بناؤها إلا بالتربية الجادة المؤصلة، ومن هنا كان التركيز والتوجيهات لنا من قبل المسؤولين في وزارة التربية والتعليم بأن القيم والاخلاق هي اساس تبنى عليه شخصية الطالب وانها هي الأساس الذي تبنى عليه الأمم.
ويعتبر الموجه التربوي أن التميز عنواناً لكل مجتهد، فقد حرص الى جانب تأدية مهامه الوظيفية فكان ان كللها بعدة جوائز قال انها رصيده المهني والإرث الذي يفخر به لأنها كانت نتاج عمل شاق متواصل. فقد حصل على جائزة التميز التربوي، من وزارة التربية والتعليم، عام 1996.
وجائزة المعلم المتميز، في مسابقة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز، عام 1999م على مستوى الدولة، وجائزة المعلم فائق التميز على مستوى منطقة دبي التعليمية ، في مسابقة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، عام 2001، كما قمت بتأليف كتاب "في التراث الجغرافي العربي عن ابن حوقل ومنهجه الجغرافي" وتحقيق ودراسة لجغرافية مصر من كتاب صورة الأرض، وشاركت في تأليف كتاب "ملامح ورؤى في جغرافية الإمارات العربية المتحدة".
ومشارك في تأليف كتاب "دبي الواحة الغناء" وإعداد وإخراج أكثر من كتاب للمرحلة الثانوية في مادتي "الجغرافيا ، والاقتصاد" تحت عنوان "بنك الأسئلة والأجوبة" و أكثر من "60" شهادة شكر وتقدير أثناء عملي في التدريس والتوجيه من وزارة التربية والتعليم، والمناطق التعليمية بالدولة، والمدارس الحكومية والخاصة، والمؤسسات المحلية والبيئية، وذلك للجهود المتميزة في مجال تطوير العملية التعليمية، وتحكيم المسابقات المركزية، ورعاية الطلاب الضعاف، والموهوبين، وتنظيم الملتقيات الجغرافية.
رمضان شهر الخير
يتميز شهر الصوم بمذاق خاص في الإمارات التي يولي ابناؤها عناية خاصة لهذا الشهر الفضيل فيستقبلونه بحفاوة وترحاب بالغين ويحيون لياليه بالعبادات والابتهالات ويكثرون فيه من أعمال البر والإحسان على الفقراء والمحتاجين، وعندما استذك رمضان في السبعينيات من القرن الماضي وتحديداً في اول فترة لقدومي فإن كثرة الصور التي احملها تتزاحم في داخلي وهناك عادات بقيت ماثلة واخرى اندثرت، إلا أن عبق رمضان يظل باقياً.
ومن الطقوس التي كانت سائدة في الماضي عمل الأكلات الشهيرة المرتبطة بشهر رمضان والتى كانت مصدر فرحة وبهجة للصغار والكبار و المسحراتي، كما كنا نحرص على الالتقاء مساء في المجالس الرمضانية التي كانت منتشرة بصورة كبيرة في الأحياء، وكانت الأحاديث تتمحور حول الصيد والبحر.
20 عاماً
عملت في المنطقة الشرقية أربع سنوات ثم انتقلت إلى دبي، حيث بقيت فيها عمراً استمر عشرين عاماً في مدرسة الإمام مالك الثانوية والتي تغير اسمها واصبحت الآن مدرسة محمد بن راشد من العطاء المتواصل في أروقة مدارسها العامرة والتي كانت في البداية متواضعة المحتويات والمرافق لكنها عظيمة بما في داخلها من طاقات تربوية جبارة وطلبة مقبلين على العلم ينهلون من معينه الذي لا ينضب، نعم هذه كانت إحدى أهم السمات التي اعتقد أنها غلفت هذه الفترة.


