أغلب البيوت عبارة عن خيام نُصبت بطريقة لا تقتلعها رياح الشمال في موسم الشتاء، يحيط بالخيام المنصوبة في الحوش جريد النخيل الذي يشكل حدود البيت، كثيراً ما تطايرت أجزاء منه كما تطايرت الوعيان (الأواني) التي كانت توضع في الحوش، البيوت التي بنيت من الجص تعد على الأصابع بنيت فكانت أكثر قوة في مواجهة تلك الرياح شتاء والرطوبة صيفاً.
قبل حلول الصيف يبدأ أصحاب الخيام بتجهيز بيوت العريش، الخيام لا تصلح للمبيت في ظل الحرارة الشديدة، كان يبنى العريش بطريقة محكمة، ويتم بناء البراجيل باستخدام اليواني (الشوال) على العريش، إذ تُصف وتوضع بطريقة يمكنها من إدخال تيار الهواء فتصبح تلك البراجيل شبيهة بتلك التي تم بناؤها بالجص.
عندما يحل الصيف يبدأ الأولاد بابتكار أشياء كثيرة لشغل وقت الفراغ، يتجمع الأولاد في الصباح ثم ينطلق كل واحد منهم لتصنيع شيء يمكن أن يلعب به، هناك من كان يبحث عن علب كبيرة غالباً ما تكون شبيهة بعلب الزيتون الكبيرة، أو يتم البحث عن الشينكو (صفيحة ألمنيوم للبناء)، وعندما يجدونها تبدأ عملية تصنيع القارب الصغير الذي يسمى المركوبي.
يتم قص العلب لتكون عبارة عن شريحة واحدة مربعة أو مستطيلة على الأغلب، ثم يتم ثني الزوايا ليصبح القالب على شكل السفينة، توضع ألواح خشبية على الزوايا وفي قاع المركوبي من الأسفل، ثم تضرب بالمسامير لتثبيتها، كأنه يتم صناعة سفينة حقيقية، ثم يوضع القار في الزوايا، وإذا لم يجد القار عند الشركات القريبة من البحر تُحرق الإطارات القديمة فينتج منها هذا القار بعد ذوبان الإطار ليستخدم في تصنيع القارب الصغير.
وعندما يتم يتأكد من جاهزية المركوبي، يبحث عن الديدان على الشاطئ، البعض كان يُصفر فيخرج الدود ليتم الإمساك به لاستخدامه في صيد الأسماك، يركب الولد في قاربه الصغير غير آبه بالأمواج، يستخدم المنشلة (مجموعة من الصنارات الصغيرة في خيط واحد) فيصطاد مجموعة من الأسماك مرة واحدة، يعود بعدها فرحاً بغنيمته ويعطيها أهل بيته،والبعض كان يستخدم المركوبي لتحميل الحصى البحرية، يغوص الولد في المنطقة التي تكثر فيها اللحوف (مفردها لحف وتعني القاع الصخري للبحر)، ثم يستخرج الحصى، ويجمعها قريباً من بيته، ثم يبيعها إذ كان البناؤون يشترونها لاستخدامها في بناء بيوت الجص نظراً لقوتها وتحملها للملوحة.
الفتيات من جهة أخرى كانت ألعابهن بسيطة، تساعد الفتاة والدتها في البيت، ثم تخرج لتلعب قرب البيت، أكثر لعبة تعجب الفتيات لعبة تسمى (حيا)، أي لعبة العرائس، لم تكن توجد عرائس فلة وباربي وغيرها، لكن كل فتاة كانت تقوم باستعمال قطع القماش والفنجان وقطع خشبية صغيرة لتصنيع العرائس، ثم يلعبن مع بعضهن البعض في الرايح (الظل يسمى الرايح) خلف البيوت، وقد وضعن العرائس في كرتونة صغيرة، وأحياناً تتجمع الفتيات ليلعبن لعبة الصقلة فتجد حفر صغيرة تدل على آثار هذه اللعبة، وقد تشاهد مريحانة (ارجوحة) مصنوعة من حبال شد السفن في احد الفرجان، وقد تجمعن الفتيات ليلعبن عليها ويستمتعن بأوقاتهن.
عندما يحل وقت العصر يلعب الأولاد تلك الألعاب التي تناسب طبيعتهم مثل كرة القدم والمسطاع وغيرها، بينما تلعب الفتيات الألعاب الخاصة بهن، وقد يكتفين بالمراقبة من بعيد، خاصة وقت السقي (المد) عندما يرتفع مستوى ماء خور دبي ليصل إلى منطقة الغبيبة، يشاهدن الأولاد وقلة من الفتيات يلعبن عند ماء البحر الذي غمر الغبيبة.
وبعد المغرب يجلس الفتيات في بيوتهن، بينما قد يتجمع الأولاد في بعض البيوت، خاصة بيوت التجار الذين لديهم يمتلكون جهاز تلفزيون، يجلسون في الحوش يتابعون بث محطة تلفزيون الظهران أو تلفزيون ارامكو، كان يصل الإرسال إلى منطقة الشندغة في فصل الصيف بفضل الرطوبة التي تسمح بانتقال موجات البث، فيتابع الأولاد تلك الأفلام والمسلسلات الأجنبية المترجمة التي كانت تبثها المحطة في ذلك الوقت.
يحين وقت النوم فينصرف كل واحد من الأولاد إلى منزله، البعض كان يفرش وينام على الأرض، والبعض الآخر كان ينام على القاعدة الخشبية المرتفعة عن الأرض التي تسمى المنامة، تمر أيام الصيف سريعاً ثم تبدأ أيام الشتاء التي لها حكايات ومغامرات مختلفة.
almzoohi@
