في التاسع عشر من رمضان عام 1425 هجري، الموافق للثاني من نوفمبر 2004 ميلادي، أمطرت عيون أبناء الإمارات وأهل العروبة في كل مكان، دموعاً من الحزن على فقيد افتقده كل من عرفه أو سمع عنه.. زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، زايد الخير لأهله وشعبه ووطنه وأمته العربية والإسلامية، اختاره الله إلى جواره في خير شهور السنة، شهر أنزل فيه القرآن.. زايد الذي لا ينقطع اسمه من ذكر الصالحين، زايد الذي يحيا في نفوس الجميع، مواطنين ومقيمين، زايد الذي وهب الخير لشعبه وللعرب والمسلمين، زايد الوحدة والطموح والخير والعطاء، ولسان الموحدين.. العين وأبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة والفجيرة، هي الأماكن التي أحبها فأحبه من فيها، حتى أضحى ورغم سنوات الرحيل زايد المكان والزمان في كل وقت وحين.
في مثل هذا اليوم من شهر رمضان المبارك، رحل المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان باني ومؤسس الدولة، من الدنيا إلى الرفيق الأعلى.. رحل قلب الأمة جسداً وبقى فكراً.. رحل زايد خاطفاً القلوب والدعوات.. في الذكرى التاسعة لوفاة من أرسى قواعد الاتحاد، نستعيد في سطور وقع خبر رحيله على ذاكرة تأبى النسيان.
استحوذ زايد رحمه الله على مكانة خاصة في قلوب الملايين، ونسج بمحبته العفوية وعطائه العابر للحدود، قصة مستمرة بأحداثها، كيف لا وهو الرجل الذي أفاض على الناس من قلبه، بعد أن كابد ظروفاً قاسية كي يبني دولة ارتقت إلى صفوف المقدمة في خارطة العالم، بجهوده وإخوانه بناة الاتحاد، لتكتمل المسيرة الساطعة نجاحاً وإبهاراً بقيادة موفقة لنجله صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي رعاه الله، وإخوانهما أعضاء المجلس الأعلى حكام الاتحاد.
النشأة والبناء
ولد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، بقصر الحصن في إمارة أبوظبي عام ١٩١٨، وتولى حكم مدينة العين وهو في الثامنة والعشرين من عمره في عام ١٩٤٦، وسخر طاقاته وإمكانياته لتطوير المنطقة وتحسين المستوى المعيشي للمواطنين والمقيمين، ونجح رغم الإمكانيات المادية المتواضعة آنذاك في إحداث نقلة نوعية في زمن قياسي، وكانت الثمرة الأولى افتتاح المدرسة النهيانية عام ١٩٥٩، التي نهل منها الكثير من أبناء الرعيل الأول، إلى جانب مستشفى الواحة، والسوق التجاري وغيرها من الخدمات العامة.
حلم الاتحاد
تولى الشيخ زايد رحمه الله مقاليد الحكم لإمارة أبوظبي عام ١٩٦٦، وحرص خلال حكمه على توفير الأمن والأمان وتحقيق العدل والمساواة للجميع. وانطلاقاً من إيمانه الصادق نحو لم الشمل وتوحيد الصفوف، فقد وضع يده في يد أخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم رحمه الله، وسارا إلى تأسيس دولة الاتحاد التي تضم الإمارات السبع المتصالحة، بالإضافة إلى قطر والبحرين، اللتين أعلنتا انسحابهما من الاتحاد في وقت لاحق.
لكن إرادة زايد الوحدوية شحذت همم القادة نحو تنفيذ مشروع قومي يحمل اسم دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد أعلن عن ذلك في الثاني من ديسمبر عام ١٩٧١، ورفعت سارية العلم أمام دار الاتحاد في إمارة دبي، مترجماً بذلك حلم الاتحاد الذي راوده منذ سنوات.
راحة المواطن
ساد الوفاق بين إمارات الدولة السبع، وتوالت الإنجازات، منذ إعلان قيام دولة الإمارات، فانتشرت مظاهر التطور سريعاً على أرض الوطن الحبيب، وفرح القاصي والداني بلم الشمل.
وقد حرص زايد منذ توليه مقاليد الحكم على توفير الراحة الكاملة للمواطن، فأمر ببناء المساكن، ووفر جملة من التسهيلات للتخفيف عن المواطن الإماراتي، ومنها إنشاء صندوق الزواج بغية مساعدة الشباب، كما أرسل بعثات طلابية للدراسة في الخارج ودفع مكافآت شهرية للطلبة الدارسين، وتم تأسيس شبكة واسعة من الطرق امتدت إلى كل أنحاء الدولة. كما شهدت الإمارات في ظل قيادته طفرة صناعية واقتصادية منقطعة النظير، واستثمر ما أجادت به الأرض من نفط في خدمة المواطن والصالح العام.
زراعة الصحراء
كان التحدي الأصعب الذي راهن عليه زايد طيب الله ثراه، زراعة الصحراء القاحلة رغم ندرة المياه، وقد نجح بفعل إيمانه العميق ورؤيته الثاقبة وبصيرته النافذة في تحويل الأرض والرمال القاحلة، إلى واحة ممتدة بخضرتها إلى مساحات شاسعة، وتضاعف الإنتاج الزراعي في الدولة مرات ومرات، وبذلك أثبت زايد للمهندسين والباحثين الأجانب الذين استغربوا الفكرة في البداية، أنه لا مكان للمستحيل في قاموس دولة الإمارات.
إنجازات خارجية
وعلى الصعيد الخليجي، ساهم زايد في تحقيق الكثير من الإنجازات، إذ حرص رحمه الله على بناء نسيج واحد بين أبناء الخليج، فكان له الفضل الأكبر في تأسيس مجلس التعاون الخليجي الذي احتضنت اجتماعه الأول إمارة أبوظبي عام 1981، كما أعلن زايد رحمه الله في حرب الخليج تضامنه قولاً وفعلاً مع حكومة وشعب دولة الكويت.
اسم زايد
ويعتبر زايد رجل المواقف الأول، فإسهاماته ومبادراته العربية والإنسانية لا تعد ولا تحصى، وقد وقف إلى جانب مصر في حرب أكتوبر عام 1973، معلناً للملأ: «أن البترول العربي ليس أغلى من الدم العربي»، وظلت بصمته الإنسانية والسياسية راسخة في فلسطين من خلال إقامة مشاريع خدمية سكنية عدة، وتلبية الاحتياجات الطبية والتعليمية للشعب الفلسطيني، وفي البوسنة والهرسك، أرسل رحمه الله شحنات الإغاثة، وندد بمواقف الأمم المتحدة والدول الكبرى بسلبية الموقف إزاء هذه القضية، وكذلك فعل في كوسوفو وغيرها الكثير من الدول التي أطلقت اسم زايد على مدنها وشوارعها تكريماً لهذا الرجل المعطاء.
وصايا زايد
في المجالس وأثناء مقابلة المواطنين، كان المغفور له بإن الله الشيخ زايد يتحدث إلى الناس بصفته أخاً ووالداً قبل أن يكون حاكماً.
وفي إحدى «البرزات» التي يحرص الشيخ زايد رحمه الله على إقامتها، أقبل رجل طالباً منه توجيه أولياء الأمور نحو تخفيف العبء عن الشباب في قضية غلاء المهور وتكاليف الزواج، فأجابه رحمه الله أنه تحدث مراراً عن ذلك عبر وسائل الإعلام المختلفة، منبهاً الآباء والأمهات بالخوف من الله تعالى عند وضع الشروط أمام الشاب المقبل على الزواج، وضرب أمثلة على آباء رفضوا أخذ المال لتزويج بناتهم، بل صرفوا من جيوبهم تخفيفاً عن الزوج، وقال زايد: من الشهامة أن يتسابق الجميع على الامتثال بهذه النماذج الحميدة والسديدة لتلبية حاجة المتزوج لا تحميله ما لا طاقة به.
وطلب رحمه الله من الشباب أن يحمدوا الله ويشكروه على ما أوتوا من نعمة حبا الله بها أرض الإمارات، وطالبهم بتعزيز قيم المحبة والولاء لتراب هذا الوطن، ومضاعفة العمل لم يعرف قاموس زايد رحمه الله، التمييز إطلاقاً، فكان يعامل الجميع على مبدأ المساواة، وخير ما يثبت ذلك تلقيه حتى سفره كماً من الرسائل والطلبات من العرب والأجانب، فكان رحمه الله يد العون للجميع دون النظر إلى جنس أو لون أو ديانة. أما المواقف التي تثبت حلم وتواضع زايد رحمه الله، فهي كثيرة أيضاً.
وحث زايد رحمه الله الشباب على التخلي عن الرفاهية المفرطة، والاجتهاد والمثابرة في الحصول على لقمة العيش، والابتعاد عن الكسل، لأن العمل هو الذي يجسد قيمة الإنسان مهما كان حجمه، لافتاً إلى ضرورة التمسك بالعلم والمعرفة للارتقاء بالوطن والمواطن، وإدراك حقيقة أن من سبقوهم كابدوا بالفعل ظروفاً قاسية، وشقوا الطريق ومهدوه لينعم أبناء الجيل الحالي بالعيش الكريم.
«من لا ماضي له ليس له حاضر» واحدة من العبارات الشهيرة التي أطلقها زايد رحمه الله أثناء لقائه المواطنين في مناسبات تتكرر باستمرار، وقال: إن الذي يرى الحاضر ولا يلتفت إلى ماضي آبائه وأجداده لن يرتقي، ولا بد من الحفاظ على تراث الآباء والأجداد لأنه الأصل والأساس.
وقد تداول الناس هذه المقولة الشهيرة لتصبح أقرب لأن تكون حكمة دارجة في المجتمع اليوم، إلى جانب مقولات ودرر أخرى كثيرة تفضل بها زايد رحمه الله علينا جميعاً، نختم بواحدة منها: «إن بناء الرجال أصعب من بناء المصانع، وإن الدول المتقدمة تقاس بعدد أبنائها المتعلمين».
لا تمييز
لم يعرف قاموس زايد رحمه الله، التمييز إطلاقاً، فكان يعامل الجميع على مبدأ المساواة، وخير ما يثبت ذلك تلقيه حتى سفره كماً من الرسائل والطلبات من العرب والأجانب، فكان رحمه الله يد العون للجميع دون النظر إلى جنس أو لون أو ديانة.
أما المواقف التي تثبت حلم وتواضع زايد رحمه الله، فهي كثيرة أيضاً، نذكر منها أنه كان رحمه الله يسبح في يوم حار من شهر رمضان في أحد الأفلاج، فجاء إلى المكان رجل يريد غسل كيس تمر، فطلب منه زايد رحمه الله أن يصبر قليلاً حتى ينتهي من السباحة، فرفض الرجل وتمادى في حديثه، وظل زايد متسلحاً بالصبر طوال فترة الحوار الذي دار بينهما، وأثناء الحديث أقبل أناس إلى زايد بحفاوة وسرور، فأدرك الرجل حينها أن من يقف أمامه هو الشيخ زايد رحمه الله فشعر بالحرج وتقدم يعتذر، وهنا زايد رحمه الله، أمسك بيد الرجل يسأله إن كان يحتاج شيئاً.




