أشعر بالغيرة الشديدة عندما أرى طلبة هذه الأيام يحصلون على إجازة قد تصل إلى خمسة أسابيع خلال العام الدراسي، على الرغم من ذلك يتذمرون ويتأففون من ضغط الدراسة وعدم حصولهم على راحة كافية تتيح لهم اللعب وقضاء وقت ممتع بين الفصول الدراسية الثلاثة.

بالطبع يحق لي أن اشعر بالغيرة، بل يحق لي لطم كل واحد من أبنائي على رأسه عندما يتذمر من قصر الإجازة الدراسية، فهم لا يعلمون ولم يعايشوا تلك المعاناة الشديدة التي عشناها في فترة الدراسة، إضافة إلى المشقة الكبيرة والجهد الذي كنا نبذله فيما يفترض أن يسمى إجازة!

كانت إجازة منتصف العام الدراسي تسمى إجازة الربيع، وغالباً ما تبدأ في منتصف شهر يناير بعد انتهاء امتحانات الفترة الأولى وتسليم الشهادات، قبل بدء الإجازة يصيبنا الهم والغم لأننا قطعاً لن نرتاح فيها، ولن نستمتع كما يستمع الطلبة في كل بقاع العالم، فقد كان مكتوب علينا غصباً عنا وعن أهالينا أن ننجز الواجبات المدرسية التي يكلفنا بها المدرسون، وبالأخص مدرسي اللغة العربية والرياضيات، لنقوم بتسليمها في أول يوم دراسي بعد الإجازة.

كان شعوراً غريباً فيه تناقض أغرب، شعور بالفرحة والسعادة بسبب الابتعاد عن ضرب المدرسين، وشعور بالحزن من الواجبات التي يجب إنجازها خلالها، وما بين هذا وذاك تصبح مثل الأبله تبتسم تارة وتبرطم تارة أخرى!

عندما يدخل مدرس اللغة العربية في اليوم الأخير نشعر بالقلق، نحاول أن نكون هادئين مستكينين، نُمني أنفسنا أن يفقد الذاكرة في الحصة لينسى الواجبات والمنهج الدراسي برمته، ولكن هيهات.. هيهات، إذ يمضي الوقت في الحصة وتظن أنه لا واجب بعد اليوم، ثم تظهر فجأة تلك الابتسامة اللئيمة، فيطلب منا فتح كتاب اللغة العربية، انسخوا درس الصياد والقبرة خمس مرات، وكذلك درس الثيران والأسد، وضيفوا عليها درس بر الوالدين... الخ، ثم تكتشف أنه يتعين عليك نسخ الدروس ما يقارب 15 مرة بالتمام والكمال، بمعدل درس واحد في اليوم على أقل تقدير خلال الإجازة، فتتحول ابتسامة الفرح إلى دمعة مترددة في النزول على الطاولة المدرسية الصغيرة.

وقد يأتي بعده مدرس الرياضيات الذي يصول ويجول حاملاً المسطرة الخشبية الطويلة التي يصل طولها إلى مترٍ تقريباً، وهو بكل حالٍ من الأحوال لن يكون أبخل من مدرس اللغة العربية، فقد يكلفنا بحل أكثر من 50 مسألة رياضية، وربما كتابة جدول الضرب من العدد 1 إلى العدد 10 عدة مرات، فندعي عليه لحظتها على قدر ما كلفنا به من مسائل وواجبات!

تبدأ إجازة الربيع دون أن نشعر ببوادر أي ربيع، مجرد شعور بالقهر من تلك الواجبات المدرسية التي تم تكليفنا بها، نستيقظ من صباح أول يوم في الإجازة، نتذكر الواجبات، نفكر في البدء فيها، ثم نقرر تأجيلها فنحن نريد أن نلهو ونلعب ونخوض مع الخائضين في الفريج، نود التجمع قرب الدكان، نلعب الكوك واسبرو وغيرها من الألعاب، نطارد القطط والكلاب السائبة في الفريج والفرجان القريبة، نسمع صوت عامل البلدية الذي يجوب المناطق بتلك الآلة التي تخرج الدخان الذي يقتل الحشرات، فيركض وراءه الأولاد والبنات على حد سواء غير عابئين بتلك السموم والمبيدات الحشرية التي تخرج مع الدخان.

يمر اليوم الأول واليوم الثاني ونؤجل حل الواجبات من يوم إلى آخر، ثم تكتشف في آخر يومين أنه كما يقال في المثل المحلي: صكت الحلقة البطان، وبالتالي لا يمكن تأجيل حل الواجبات أكثر من ذلك، فيضربك هم لا آخر له، تنسخ الدرس عدة مرات حتى تشعر أن يدك ثقيلة لا يمكنها الاستمرار، أو أصابها التنمل فلا تشعر بها من كثرة الكتابة، تريد أن يساعدك أحد أشقائك، ولكن على الأغلب ستجده منهمكاً في الهم الذي يؤرقه، ننسخ الدروس ونختصر فيها، نكتب سطراً ونتجاهل آخر، نحل المسائل الرياضية الكثيرة، نبكي لعدم استطاعتنا إنهاءها، ونشعر بالسعادة إن استطعنا تأديتها قبل أول يوم دراسي.

كانت الإجازة حملاً ثقيلاً رغم أننا كنا نمضي فيها العديد من الأيام في اللعب واللهو، ومع ذلك فلا يمكن إن تسمى إجازة، بل هي في الواقع عذاب جسدي ونفسي لن ننساه إلى يوم يبعثون!

 

almzoohi@