هي حكاية نستعيد منها الماضي، ونتشارك فيها البدايات. نتقاسم معها القدم، ونتجلى معاً أحلى الذكريات. مع قدامى عاشوا الماضي وعايشوا الحاضر ولا يزالون. سنواتهم عامرة بالعطاء، وأيامهم زاخرة بالمواقف والذكريات. لديهم المزيد دوماً.. حكاياتنا في رمضان قصصٌ تستحق أن تُحفظ في ذاكرة التاريخ، وتوثيقٌ يصلحُ للحاضر ويزهو حتماً في المستقبل، حكاياتنا فيها عبرة وقدوة للأجيال، ولها سطوة في سجل الطموح، حكاياتنا مع الماضي تحمل من التشويق الكثير، ومن الصبر والإصرار والطموح ما هو أكبر، حكاياتنا تزودنا كل يوم بمواقف ثرية ونماذج فريدة من العطاء. حكاياتنا تستحق التوقف والإمعان، وتفرض قصراً التقدير والاحترام.. لكل يوم حكاية، واليوم هذه حكايتنا.
كانت اللحظات الأولى عندما وطأت قدماي أرض الإمارات لأول مرة مدهشة وصادمة، وكان ذلك في عام 1974، مازالت الصور حاضرة في مخيلتي بكل تفاصيلها، حيث كان الوقت صيفاً، ولم أكن بعد قد تأقلمت مع حرارة جو مدينة أبوظبي، فعندما دخلت مبنى المطار قلت لمرافقي "ما شاء الله الجو جميل"، ولكن المفاجأة كانت حين خرجنا من المبنى فعرفت لحظتها أن الجو حار ورطب جداً".
كانت تلك رحلتي الأولى إلى أبوظبي لإجراء مقابلة التعيين التي كانت سريعة، حيث تم تعييني في مدرسة توام الابتدائية في مدينة العين وحين توجهت إلى المدينة، كانت الصدمة أكبر لأن الحرارة كانت أعلى، ولكن الرطوبة أدنى من أبوظبي، بدأت عملي في مدرسة توام الابتدائية مدرساً لمادة اللغة الانجليزية للصفين الخامس والسادس، وبدأت أتأقلم مع العمل والبيئة والناس، وبعد مدة قصيرة زارني موجه اللغة الإنجليزية الوحيد الذي كان مخصصاً لكل من أبوظبي والعين والغربية.
بعد الزيارة أخبرني أنني وضعت خطأً في هذا المكان وهذه المرحلة، وكان من المفروض حسب رأيه أن أدرّس الصفوف العليا، ومرت فترة بسيطة بدأت أسعد بها في العمل في المدرسة وكان يدير المدرسة رجل فاضل، متعاون يراعي ظروف العاملين.
نقطة تحول
لم يمض وقت طويل على زيارة الموجه حتى أبلغني مدير المدرسة أن الموجه يريد نقلي إلى مدرسة ثانوية زايد الأول التي كانت الثانوية الوحيدة للذكور آنذاك، كان هذا النقل نقطة تحول في حياتي العملية في الامارات، وأذكر حينها كان في المدرسة شعبتان للصف الثالث ثانوي واحدة للأدبي وواحدة للعلمي، وكانت كل شعبة لا يتجاوز عدد طلابها 15 طالباً. وهكذا انتقلت من تدريس الأطفال إلى تدريس الرجال.
في تلك الفترة كما قلت سابقاً كان هناك موجه واحد يشرف على مناطق أبوظبي والعين والغربية، وعندما تركت الوزارة عام 2001 كان عدد الموجهين في أبوظبي بالعشرات، وكذلك في العين وبالغربية، وكانت أعداد الطلبة في السبعينات محدودة، وهي اليوم بالآلاف وكذلك عدد المدارس، حيث لا وجه للمقارنة بين الآن وعام 1974.
بين مقابلتين
وبعد ثماني سنوات حدث تطور كبير في تجربتي المهنية؛ حيث دعيت لمقابلة بهدف جعلي موجهاً للغة الإنجليزية، وللمفارقة فقد كان تخصص الشخص الذي أجرى المقابلة الأولى معي لغاية التعيين مدرساً للغة الانجليزية، وفي هذه المقابلة الثانية أي بعد ثماني سنوات؛ فقد قابلتني لجنة كاملة لوظيفة موجه، وهذا مؤشر على التطور السريع في الجانب التربوي لدولة الإمارات، وكانت اللجنة مكونة من ثلاثة أشخاص: دكتور من الجامعة، والموجه الأول بريطاني الجنسية وهو متخصص في المادة، والثالث موجه عربي من المتميزين في التخصص.
انتقلت للعمل موجهاً للغة الإنجليزية في مدينة العين مع زميل آخر؛ كان له الفضل في ترشيحي انطلاقاً من ثقته بقدراتي، وهذا يعني أنه خلال ثماني سنوات أصبح في العين موجهان للغة الإنجليزية، حيث كان العمل شاقاً بسبب تزايد أعداد المدرسين بشكل ملحوظ، وكذلك أعداد الطلبة، وكنت وزميلي نشرف على ( 200 ) مدرس لغة انجليزية في مدينة العين، وذلك في العام 1982.
الإمارات نموذج
لاحقاً انتقلت إلى أبوظبي، وبعد نقلي بسنوات قليلة، بدأت العمل في المدرسة النموذجية الأولى "الغزالي"، حيث كنت مشرفاً على مادة اللغة الإنجليزية، ولم تمض سنوات حتى أصبح عدد المدارس النموذجية أربع، ثم انتقلت هذه التجربة بعد نجاحها إلى الإمارات الأخرى. تطور
ليس هناك وجه للمقارنة بين صورة إمارات 1974 حين وفدت عليها، وإمارات الآن في العام 2013 ، ومهما حاولت فلن أفلح، لأنه باختصار شديد الصورة الأولى كانت لدولة حديثة الولادة وناشئة، والصورة اليوم لدولة رائدة للدول وسباقة، بل ونموذج يسعى الجميع لمقاربته والاحتذاء به من حيث النماء والنضج والابتكار والتطور.



