هي حكاية نستعيد منها الماضي، ونتشارك فيها البدايات. نتقاسم معها القدم، ونتجلى معاً أحلى الذكريات. مع قدامى عاشوا الماضي وعايشوا الحاضر ولا يزالون. سنواتهم عامرة بالعطاء، وأيامهم زاخرة بالمواقف والذكريات. لديهم المزيد دوماً.. حكاياتنا في رمضان قصصٌ تستحق أن تُحفظ في ذاكرة التاريخ، وتوثيقٌ يصلحُ للحاضر ويزهو حتماً في المستقبل، حكاياتنا فيها عبرة وقدوة للأجيال، ولها سطوة في سجل الطموح، حكاياتنا مع الماضي تحمل من التشويق الكثير، ومن الصبر والإصرار والطموح ما هو أكبر، حكاياتنا تزودنا كل يوم بمواقف ثرية ونماذج فريدة من العطاء. حكاياتنا تستحق التوقف والإمعان، وتفرض قصراً التقدير والاحترام.. لكل يوم حكاية، واليوم هذه حكايتنا.
ما أجمل أن يلتفت المرء إلى الوراء إلى سنين مضت من قطار عمره! يتذكر الأيام الجميلة المحفورة في الذاكرة؛ فيشعر بالسعادة ويستمد منها عبراً تنفعه في حاضره ومستقبله.
وفي لقاء مع موجه اللغة العربية السيد سيف النصر تحدث عن هذه الذكريات فقال:
تعرفت على دولة الإمارات من بوابة مدرسة دبي الثانوية 1980، وجدت شباباً مفعمين بالحيوية، لا يحرمون أنفسهم من الشغب الذي يلبي احتياجات هذه المرحلة العُمريَّة ولكنهم كانوا رجالاً في تعاملاتهم، كان بعضهم من أصحاب المواهب التي تبحث عمَّن يكتشفها ويسعى لتنميتها، وكانت الإذاعة المدرسية ميداناً خصباً لاحتضان المواهب الإعلامية، وقد تهيأ لي أن أقوم بهذا الدور، وأثمر التعاون بين جامعة الإمارات ووزارة التربية عقد دورة تدريبية لمهارات العمل الإعلامي، وقمنا بزيارة ميدانية لمبنى الإذاعة والتلفزيون، تعرفنا فيها كيف يجري العمل إعداداً وتنفيذاً وتدريباً، وصاحبنا في هذه الجولة الدكتور علي قاسم الشعيبي يشرح ويوضح ويجيب عن استفساراتنا بابتسامته المعهودة.
أتذكر أنه أدار جلسة في الإخراج التلفزيوني استفدنا منها في عملنا داخل الفصول الدراسية وبخاصة في جانب الإثارة وجذب الانتباه، وأظن أن جميع الزملاء المشاركين في هذه الدورة قد خرجوا بفوائد قيمة، وأخذو يطبقونها في الميدان، ونجحنا في التقاط المواهب، وكثير من هذه المواهب شقت طريقها فيما بعد في ميدان الإعلام، كما أن صحيفة البيان أفسحت المجال لكي يمارس الطلاب الموهوبون عملهم الصحافي على صفحاتها وفق مشروع بينها وبين منطقة دبي التعليمية.
تعاملت خلال عملي التربوي مع مجموعة متنوعة من مديري المدرسة، كل له فلسفته، بعضهم يحسن إدارة سلوك الطلاب، ويجعل جلَّ اهتمامه منصباً على إبعاد الطالب عن عوامل التوتر والقلق، ويوفِّر له بيئة تُشعره بالاهتمام والاحترام، يوظِّف علاقاته الاجتماعية ومعرفته بالأسر في معالجة بعض السلوكيات السلبية، وكانت طريقة تؤتي ثماراً طيبة، وهذا مؤشر على أن العلاقة بين البيت والمدرسة ينبغي أن تكون علاقة قوية ومستمرة، وأذكر أن المدير أتى بطالب قد أساء في التصرف، وبيَّن له في حِوار حازم خطورة ما ارتكب، ثم قال له إذا لم تُقلع فسأُخبر جَدَّتك!
وإذا بالطالب يقول: لا تفعل، وأنا لن أعود لذلك، هكذا كانت الأسر الممتدة صمام أمان وهكذا هو اهتمام المرأة الإماراتية بتربية الأبناء اهتماماً له أثره الفعال في تعديل السلوك.
التنمية المهنية
وكان بعضهم يقتحم القضايا المدرسية اقتحاماً علمياً فيهتم بالتنمية المهنية للمعلمين، ويعمل جاهداً على تعزيز أدائهم الجيد وتوفير الإمكانات المادية التي تمكنهم من تجويد عملية التدريس، وأضرب على ذلك مثالين: المثال الأول: وجد مجموعة من الطلاب يسعون للخروج من المدرسة ويذهبون إلى المقاهي المجاورة، فعقد اجتماعاً معهم، واستمع إلى حاجاتهم، وبينوا أنهم في حاجة لمشروبات ساخنة وبعض الأطعمة التي يحتاجها الطلاب من فريق ألعاب القوى، واستطاع المدير أن يأخذ موافقة إدارة المنطقة ومجلس الآباء، وأن يتعاقد مع مخبز ومطعم يقدم المشروبات الساخنة والوجبات الساخنة في الصباح قبل الطابور وفي أثناء الفسحتين، وبهذا قضى على المشكلة تماماً.
المثال الثاني: حين وجد فئة من الطلاب في حاجة ماسة إلى دعم يناسب قدراتهم الفردية، ويتلاءم مع مهاراتهم المتواضعة، ووجد أن الطرق المتبعة في العلاج غير مجدية، فاجتمع بفريق الدعم في المدرسة وتقرر إنشاء قاعة للمصادر في وقت لم تكن فكرة مصادر التعلم قد انتشرت وتبرع واحد من أولياء الأمور، بتأثيث القاعة بكل ما يلزم من أدوات التعلم، وبدأ في تنفيذ برنامج علاجي وفق منهجية تعتمد على تفريد التعلم.
دبي الثانوي
مكثت في مدرسة دبي الثانوية عشرين عاماً، ثم انتقلت إلى مدينة العين موجهاً للغة العربية 2001م، وأصبحت دائرة التأثير أوسع، ووجدت زملاء يحبون العمل التربوي ويسعون إلى تطويره وإجادته، فعملنا معاً من أجل هذه الغاية، وتميزت مرحلة العين بميزتين:
الأولى: أن العين تحتضن جامعة الإمارات العربية التي تضم مجموعة متميزة من الأساتذة في مجالات التخصصات العلمية المتعددة، ومن ثّمَّ نشأ تعاون بنّاء بين هؤلاء الأساتذة ومنطقة العين التعليمية، اتخذ أشكالاً متعددة كأن يكون في قالب حلقات نقاشية، أو ورش تدريبية، أو منتديات عامة، تركز على الجديد في عالم التربية الذي يُسهم في تطوير الأداء في المجتمع المدرسي.
الثانية: حدثت نقلة نوعية في المناهج والطرائق والتقويم في السنوات الثلاث الأخيرة، وبيان ذلك أنّ المنهج في السنوات الماضية كان يعتمد في محتواه على الكتاب المدرسي، وكان الطالب في تقويمه وامتحاناته لا يخرج عمّا بين دفتيّ الكتاب المدرسي، ومن ثّمّ يمكن القول إن المنهج في معظمه يعتمد على التَّذكُّر اعتماداً كبيراً، أما الآن في مجلس أبوظبي للتعليم فقد بُني المنهج على أساس المعايير، ومن ثم أصبح المعلم معنياً بتدريب طلابه على المهارات والخبرات المطلوبة وفق مؤشرات أداء محددة تناسب كل صف دراسي،
دور الكتاب
وتقلّص بهذا دور الكتاب المدرسي وأصبح المجال مفتوحاً أمام المعلم ليفتش عن النصوص التي تُعدُّ ميداناً لنشاطات تعليمية وتعلمية تحقق مؤشرات الأداء المطلوبة، بل وأصبح المجال رحباً أمام المتعلم ليستفيد من كل مصادر العلم والمعرفة المكتوبة والمسموعة والمرئية. وحدث تطوير كبير في المبنى المدرسي ليلائم حاجات الطلاب العصرية وليلائم كذلك التوجه الجديد في المنهج، فصار في المبنى مركز ضخم لمصادر التعلم، وقاعات مجهزة لجميع النشاطات العلمية والرياضية والترفيهية، وأصبحت شبكة"الإنترنت" جزءاً لا يتجزأ من المبنى المدرسي يوظفه المعلم والمتعلم في قاعة الصف خدمة للمعايير والمؤشرات، وأثر كل ذلك في سلوك الطالب فشعر بأهميته ومدى الاهتمام به فزادت دافعيته وزاد كذلك حرصه على هذا المبنى الذي صُمَّم من أجله.
حديقة العين
مدينة العين الحالمة تعد حديقة في مدينة أو قل مدينة في حديقة، خرجت يوماً كعادتي في دبي بعد الساعة العاشرة مساء للتسوق، ولكني فوجئت أن المدينة نائمة والمحلات مغلقة، ورجعت بخفي حنين، وأخذت أتعود على طبيعة الحياة في المدينة الجديدة شيئاً فشيئاً.


