كانت البيوت منتــشرة في منطقة الشندغة، البعض منها قرب الرأس وعلى الخور في منطقة بر دبي، والبعض الآخر يطل على شاطئ البحر الذي كان يصل إلى موقع كارفور حالياً قبل تشييد ميناء راشد، بعض البيوت شيدت من الجص وأخرى من سعف النخيل، وكثير من الممرات بينها.

عاشت مريم بنت عيد في منطقة الشندغة حتى نهاية فترة السبعينات، كانت كثيرة الحركة تمشي يومياً ما لا يقل عن 10 كيلومترات، تبدأ زيارتها اليومية لصديقاتها وقت الضحى، المحطة الأولى لها تكون عند البيوت الواقعة في منطقة الشندغة، تحرص على الجلوس مع صديقتها الأكبر سناً عذيجة برفقة ابنتها بخيتة وعاشينه (تصغير عائشة)، أو قد تكون الجلسة على الحصير على السيف (الشاطئ) عندما يكون الطقس مناسباً لتلك الجلسة مع دلة القهوة.

تعود بعدها لبيتها الصغير لتجهز الغداء لزوجها الذي يعمل في مبنى الجمارك القديم في خور دبي، تنتظر ابنها حمدون الذي كان يدرس في مدرسة الشعب في الرفاعة، وابنتها فطيم التي تدرس في مدرسة خولة قرب قلعة الفهيدي، وبعد وصولهم يتناولون طعام الغداء معاً.

وبعد صلاة العصر تشد الرحال الى صديقتها كليثم في منطقة الرفاعة، تضطر إلى قطع الغبيبة، كانت الغبيبة عبارة عن مد البحر من منطقة الخور فيكون بمثابة الحد الفاصل بين منطقتي الشندغة الرفاعة، وقد تكون وجهتها للبر الآخر فتعبر الخور بركوبها العبرة لتتجه إلى منطقة البراحة وفريج المرر في منطقة ديرة، تزور صديقاتها هناك ثم تعود قبل أذان المغرب إلى بيتها في الشندغة.

كان هذا هو البرنامج الأساسي الذي تقوم به بنت عيد كل يومٍ تقريباً، وكان يعتبر أفضل برنامج رياضي رحمها من مشاكل الروماتيزم وآلام الركب التي كانت تعاني منها صديقاتها في تلك الفترة، أضف إلى ذلك فقد كانت تعتبر حلقة الوصل بين السيدات في بر دبي وديرة.

وعندما تكون هناك مناسبة ما سواء كانت حفلة عرس أو مجلس عزاء فيكفي أن تعرف هي بالخبر لينتشر بعدها المكان والزمان لهذه المناسبة، من بيت إلى بيت ومن سكة إلى سكة وفريج إلى فريج، وذلك بفضل شبكة علاقاتها الاجتماعية الكبيرة في مجتمع كان صغيراً نسبياً في تلك الفترة، كذلك كان لها دور كبير في العديد الزيجات، خاصة عندما يتم سؤالها بطريقة غير مباشرة عن شاب أو فتاة، لتقوم هي بوصف تفصيلي عن أهل الشاب أو الفتاة وكل ما يريد الطرف الثاني معرفته.

كانت مريم بنت عيد امرأة عفوية، لم يكن في شخصيتها أي لؤم وخبث، لم يكن بالإمكان وصف سعادتها الكبيرة عندما تزور صديقاتها من نفس الدفعة لتنقل لهن الأخبار من زواج وطلاق وحالات وفاة وسفر فلان ورجوع زيدان، كانت أشبه بنشرة علوم الدار من تلفزيون أبوظبي وأخبار الإمارات من تلفزيون دبي.

كبرت بنت عيد وأصبحت جدة بعد زواج ابنها حمدون وابنتها فطيم، ولكن أسلوب وطريقة حياتها لم تتغير، لم يمنعها تقدمها في العمر من زيارة صديقاتها بين الحين والآخر كلما سنحت لها الفرصة، وفي نهاية السبعينات توفيت مريم بنت عيد في حادث دهس قرب سينما بلازا، فجع أهلها ومعارفها بوفاتها، افتقدوها وافتقدوا زياراتها وسوالفها وأخبار وأحوال الناس في وقت لم تتوفر فيه الهواتف المتحركة وغيرها من وسائل الاتصال المعروفة في الوقت الحاضر.

انتهت تلك الحقبة التي عاشت فيها بنت عيد، تغيرت الحياة وظهرت وسائل اتصال لا تعد ولا تحصى، وأصبح لكل شخص تقريباً سيارة يستطيع التنقل فيها من مكان إلى آخر، ورغم ذلك فقد قلت الروابط والعلاقات الاجتماعية بين الأهل والجيران، وانقطع الاتصال مع كثيرين دون سبب مقنع، وبتنا لا نعرف أخبار من نعرفهم إلا صدفة، تطورت الحياة ولكن بتنا نفكر ونتذكر التفاصيل القديمة بكل حزن، ونرثي الزمان الذي عاشت فيه مريم بنت عيد ونفتقد من كان من يعيش مثلها، ألا ليت الزمان يعود يوماً لأخبره بحال اليومِ.

 

almzoohi@