يمثل الدكان بالنسبة إلى الأجيال السابقة على وجه الخصوص أهمية تاريخية، قد تكون هذه الأهمية مرتبطة بتلك السلبيات والإيجابيات والأحداث المختلفة التي ارتبطت بالدكان، فقد كان يعتبر من أهم الخدمات التي يجب توافرها في أي فريج، وبدون الدكان يعتبر الفريج بلا حياة ولا حركة وخالياً من إحداث التشويق والإثارة في تلك الفترة من الزمان، فقد كان بمثابة الرئة التي يتنفس بها أي فريج، أضف إلى ذلك فقد كان له ثقل اقتصادي واضح أغنى الكثيرين عن التوجه إلى الأسواق في غياب الجمعيات ومنافذ بيع المواد الغذائية الكبيرة.

خلال تلك الفترة كانت الخدمات التي يقدمها البائع بسيطة، لم تتوفر خدمة التوصيل للمنازل عند الاتصال بالبائع كما هو حاصل الآن، بل تعين أن يذهب الأولاد أو الخدم لإحضار المشتريات بأنفسهم من الدكان، كان البائع يعرف كل صغيرة وكبيرة في الفريج بما فيها أسماء الأمهات والأولاد والبنات، لذا كان من الطبيعي أن يكون لديه دفتر متوسط الحجم يسجل فيه الحساب على من لا يحمل النقود، يعتبر هذا الحساب بمثابة القرض الذي يسجله على سكان الفريج عندما يشترون منه دون دفع الحساب، جملة: سجل على الحساب أو سجل على حساب أمي (ماماه) كانت تكرر بصورة يومية عند شراء أي شيء من الدكان.

وقد تفاجأ بذلك التضخم في الحساب كأن البائع قد فرض الفوائد المركبة على الحساب وصاحبه، فتأتي الأوامر بعدها من قبل رب الأسرة أو الأم بعدم التعامل بالحساب والسداد الفوري للمشتريات، هذا الإجراء بعدم التسجيل على الحساب قد لا تعرف عنه إلا عندما يرفض البائع تسجيل الحساب فيضربك الهم والحزن والضيق وتمد بوزك شبرين للأمام.

في المقابل كان البعض ينتقم من بائع الدكان شر انتقام، تجسد هذا الانتقام في الأوقات التي كان يشهد فيها ازدحاماً بأبناء الفريج وغيرهم الذين يشترون من الدكان، أو عند انشغال البائع مع إحدى الخادمات، أو ربما يتم إشغال البائع من قبل صبي آخر متعمداً، فيتم استغلال الفرصة لملء جيوب الدشداشة بالحلويات والشوكولاتة من نوع مارس وتويكس وغيرها، يخرجون بعدها خلسة دون أن يتم ضبطهم واكتشافهم من قبل البائع، والغريب أن هذه السرقة لم تقتصر على الأولاد فقط بل شوهدت حالات لفتيات يسرقن من الدكان باحترافية أكثر من الأولاد أنفسهم.

أتذكر تلك الفترة كيف كانت شركات المشروبات الغازية تقدم العديد من العروض من بينها الفوز بزجاجة مشروب غازي مجانية، وربما مظلة شمسية وفي بعض الأحيان دراجة هوائية، وربما تكون الجائزة دراجة نارية، وهذا ما كان يمثل رواجاً في شرب المشروبات الغازية، يشتري الواحد منا الزجاجة ليفتح بعدها الغطاء ويبحث عن الجائزة أو يجد جملة: شكراً حاول مرة أخرى.. وهي الجملة الأكثر تكراراً في تاريخ المشروبات الغازية.

الجلوس عند الدكان كان من ضمن الطقوس الأساسية التي يمارسها أولاد الفريج، وفي بعض الأحيان قد ينضم لهم عدد من الأصدقاء من الفرجان الأخرى، هذا الجلوس أو التجمع مَثَّل في العديد من الأحيان سلبيات عديدة لا تعد ولا تحصى، هنا تعلم البعض تجربة تدخين السجائر للمرة الأولى فأصبحوا بعدها يشار بالبنان كمدخنين ومحششين، إذ كان بعض الحمقى يعتبرونه دليلاً على الرجولة، مع أن الرجولة لا شأن لها لا من قريب أو بعيد بالتدخين، كذلك ساهم دكان الفريج في توحيد الصفوف على كل كلمة واحدة ضد أي تهديد خارجي قد يتمثل في أولاد من فريج آخر يسعون فساداً ويريدون افتعال المشاكل، أو يتسكعون فيه بغرض معاكسة الفتيات أو الاعتداء على أولاد الفريج بناء على مشادة في المدرسة وغيرها من الأماكن.

وكان البعض يتسبب بالأذى للآخرين من خلال رمي الحجارة الصغيرة على المارة أمام الدكان واستفزازهم بالكلمات وإطلاق ألقاب مختلفة عليهم، وإذا ما كان يوجد هاتف عمومي قرب الدكان فبالتأكيد سيساء استخدامه من خلال الاتصال بهواتف البيوت ومعاكسة من يرد على الهاتف، وفي أحيان أخرى بمجرد أن يقوم أحدهم باستخدام الهاتف تتم مضايقته من قبل الأولاد قرب الدكان فلا يهنأ ولا يرتاح بالمكالمة.

في الحقيقة حكايات الدكان كثيرة منها الجميلة ومنها التعيسة، لكن والحق يقال لو عادت بنا السنوات للوراء لتمنينا أن يتوقف الزمن ونصلح كل أمر خاطئ تم ارتكابه في الدكان وقرب الدكان.

 

almzoohi@