الصيف الحار يلقي بسخونته على البيوت الشعبية في رأس الخيمة، الحياة بسيطة جداً بين سكان المنطقة، كانت سيارة الآيس كريم تطفئ لهيب حرارة الصيف من حين لآخر، تلك السيارة كانت تمر بمعدل مرتين أسبوعياً في فصل الصيف على وجه الخصوص ليتجمع الصبية وأحياناً الكبار لشراء الآيس كريم.

كان الصبية ينتظرون قدوم السيارة بلهفة، يشترون الآيس كريم بنكهاته المختلفة من الصناديق البلاستيكية الموضوعة في ثلاجة السيارة، كان إحساساً يعادل نفس الإحساس الذي يشعر به الطفل عند تذوق آيس كريم باسكن روبنز للمرة الأولى في حياته، شعور لا يمكن وصفه عندما تقترب السيارة مع صوت الموسيقى الذي يُسمع من مسافة بعيدة. يستيقظ الصبية منذ الصباح الباكر، يرفضون تناول طعام الفطور، في اليومين الذي تمر فيه سيارة الآيس كريم لا يريدون أن يتناولوا أي شيء قبل مرورها وتذوق تلك النكهات اللذيذة، يرفض البعض منهم الخروج مع أهاليهم، خاصة الذين يخرجون للعزبة لإطعام البوش (الإبل)، وقد يذهب البعض منهم على مضض على أمل أن يرجعوا سريعاً قبل فوات الأوان.

عندما يخرج بعضهم مع آبائهم يحسون بتلك الدقائق تمر سريعاً في طريق الذهاب للعزبة، لم يضع أي واحد منهم ساعة يد ولكنهم كانوا يشعرون بالوقت يمضي، ينزوي الواحد منهم تحت المظلة ليعرب عن حزنه وقد مد بوزه شبرين للأمام، وكلما مضى الوقت أكثر كلما ازداد طول البوز في التدلي للأسفل، أملاً في أن يلتفت والده له عل وعسى يبكر في العودة إلى البيت.

ويصبح الوضع شديد السوء عند حضور احد الأصدقاء للزيارة، هنا يتغير وجه الصبية كأن الدخان يتطاير من الوجوه، ليس من حرارة الصيف وإنما بسبب مزيج من الغضب والقهر، مما قد يعني التأخر، والتأخر قد يعني بأنه لن يتذوق طعم الآيس كريم.

يلملم الأب أغراضه فتكون تلك الإشارة للتحرك والعودة، يفرح الصبية فيركضون أمام والدهم باتجاه السيارة، وقد ينسى والدهم غرضاً ما فينطلقون بدلاً عنه لإحضاره تداركاً للوقت، لا يهمهم تلك اللحظة إن سقطوا وتعثروا في الرمال الحارة، فالأهم من كل هذا أن يعودوا سريعاً باتجاه الشعبية. يقود الأب سيارته باتجاه الشعبية وقد ارتسمت السعادة على الوجوه بعد أن اغبرت سابقاً من الضيق والغضب، قد يتذمر أحدهم من قيادة والده للسيارة، فينال ضربة على كتفه أو ربما قرصة قوية في فخذه، بينما يسلم من القرصة من جلس في الخلف بفعل بعد المسافة، وقد يشعر الصبية بإحساس الذبحة الصدرية إن توقف والدهم في طريق العودة عند احد معارفه أو ليشتري غرضاً معيناً، تتطاير لحظتها سهام الغضب الموجهة مع أملٍ ودعاء بأن يستأنف قيادة السيارة بسرعة.

وعندما يصل الصبية إلى البيت، يتأكدون هل مرت سيارة الآيس كريم أم لا، يعرفون ذلك من خلال تجمع الصبية عند النقاط التي تتوقف فيها السيارة، يساورهم القلق هل ستمر أم لا، في بعض الأحيان ينفذ الآيس كريم قبل الوصول للشعبية فلا يتذوقون شيئا منه في هذا اليوم.

ولكن هناك ما يبعث في قلوبهم الأمل، يعيده صوت السيارة والأصوات الموسيقية التي تخرجها (طي طوط طي طوط)، يقفز بعضهم من الفرحة، تقترب السيارة شيئاً فشيئاً، تهيل عليهم الرمال والغبار عند اقترابها، يقتربون منها لا يهمهم الغبار والرمال الذي أحدثه مرور السيارة في الشارع غير المعبد، المهم أن يحصل كل واحد منهم سواء كان ولداً أو بنتاً على نصيبه من الآيس كريم. يحدث عراك بين البعض، وربما يبكي واحد أو اثنان بسبب هذا العراك على من يكون أول زبون، يفتح البائع العربة، ويبدأ في خدمة الزبائن الصغار الواحد تلو الآخر رغم ما يحدثه بعضهم من تدافع على باب السيارة، التي قد تهتز من اثر هذا التدافع، يطلبون من البائع زيادة الكمية وقد ابتسموا تلك الابتسامة التي أظهرت عدداً من الأسنان المتسوسة.

قد ينال الجميع حصته، وقد لا يحصل عدد منهم على أي شيء، تسمع بعدها ذلك البكاء الهستيري الذي لا ينقطع بسبب الحسرة والحزن والحرمان فيركض باتجاه البيت بقلب امتلأ بالضيق والكدر الذي لن ينفعه إرضاؤه بالشكولاته ولا الآيس كريم.

 

almzoohi@