رغم تواضع شكل الحياة في الماضي وبساطة ملامحها، إلا أن أبناء المنطقة حرصوا على استثمار مختلف عناصر الطبيعة بطريقة ذكية تخدمهم في شتى مناحي الحياة، فسكان البيئة الجبلية برهنوا هذه الحقيقة بابتكاراتهم المتوافقة مع متطلبات الحياة، ومنها تشييدهم «بيت القفل»، وهو منزل شتوي مغلق من جميع الجهات يصعب دخوله، يصمم وفق نظام يضمن أمن وسلامة سكان المنزل من السارقين والمجرمين، فضلاً عن كونه ملاذاً للأسرة للهروب من برد الشتاء.

هذا المنزل يتكون من الصخور الضخمة، ويعلوه سقف من جذوع شجرة «السدرة»، وبابه سميك مصنوع من الأخشاب الصلبة صعبة الكسر، ويصعب كذلك فتحه إلا من صاحبه نتيجة تصميم قفله بقياسات محددة، وكذلك يحتوي هذا الباب على أقفال أخرى من الداخل، تصعّب على الغرباء مهمة اختراق الباب بالقوة.

منزل «الصفة»

وقديماً، كانت هناك منازل أخرى امتازت بها الحياة الجبلية، وكان أهل المنطقة يرتادونها في الصيف أو عند نزول الضيف، ومن أبرزها منزل «الصفة» الذي يتكون من الصخور المصفوفة على طبقات، لها فتحات جانبية على الأطراف تسمح بمرور الهواء البارد، ومسقوفة من الأعلى بجذوع السدر أو الطين أو «الخوص»، أو «العسبق»، وهو شجر ينمو في الجبال.

عن الحياة الجبلية قديماً، يقول راشد الظهوري، أحد المهتمين بالتراث: المنازل الخاصة بالقبائل التي تسكن سفوح الجبال، كانت تعرف بالقوة والصلابة، وقدرتها على التكيف مع الجو الحار صيفاً ومقاومتها البرد في الشتاء، ولها القدرة أيضاً على مواجهة الأخطار، أو الاحتماء من الحيوانات المفترسة واللصوص، وكانت هذه المنازل حصناً منيعاً أمام من تسول له نفسه لسرقة المنزل أو دخوله دون استئذان.

«الوعب» و«الرحى»

وبالنسبة للحب أو الدقيق، فقد كان يُحفظ، حسب ما يشير الظهوري، في «الوعب»، وهو مكان يستخدم في بنائه الطين والصخر، ويُطلق على الطين في الماضي «المدر»، أما عملية طحن الدقيق فتتم عبر الآلة القديمة «الرحى» التي تنفرد بحجرة مغلقة، وتضم حجري الرحى الموضوعين فوق بعضهما كي يسهل تحريكهما وطحن الحبوب بسهولة، وتطحن النساء الدقيق في تلك الغرفة الصغيرة المغلقة لحمايته من المطر، وبعد الانتهاء من هذه المراحل جميعها، يُعجن الدقيق ويُصنع منه رغيف الخبز بعد وضعه في فوهة مصنوعة من الحجارة والطين يُطلق عليها «التنور»، ويُقلب على جوانب «التنور» من الداخل لدقائق معدودة إلى أن يحمرّ لونه ويأخذ كفايته من الحرارة. ومن أهم العناصر التي يتكون منها البيت الجبلي في الماضي أيضاً، المطبخ وهو حجرة واحدة تحوي أدوات المطبخ، وفي جوانبها يوجد عدد من المواقد لإشعال النار، ولها فتحات علوية للتهوية، وتسقف إما بالخوص أو الطين، ويستخدم أفراد العائلة هذا المكان لإعداد الطعام في فصل الشتاء، وفي الصيف والمناسبات يتم طهي الطعام خارج المطبخ في الهواء الطلق على قواعد صخرية.

«الزرب»

«الزرب» مكان خاص يستخدمه أهل الجبال لحفظ مواشيهم، يتكون من فناء وحجرة مسقوفة بالطين، فضلاً عن «اليدرة»، وهو المكان الذي تحفظ فيه صغار الماشية، و«الكيتون» مكان آخر خصصه أهل الجبال في الماضي لحفظ الدواجن. وكانت الماشية تحصل على غذائها من الأشجار والأعشاب التي تنمو على سفوح الجبال، وتحصل على الماء من البرك المائية والأودية، واستُخدمت برك الماء في القرى الجبلية مركزاً لتوزيع المياه بين أبناء القبائل، فقد تتوفر في المنطقة بركتان أو أكثر، وتسمى الأداة الخاصة بنقل الماء «القربة»، وهي عبارة عن دلو مصنوع من جلد الحيوانات.