يوم الجمعة في هذا الزمان اتخذناه يوماً للكسل المبالغ فيه، فلا تشعر بأنه إجازة بقدر ما تشعر بأننا نتحول فيه إلى كائنات تعشق النوم والكسل، وقد نصاب فيه بالبلادة الغريبة التي تنزل علينا من حيث لا ندري.

تُفاجأ منذ الصباح بأن الأبناء يغطون في نومٍ عميق، الآباء والأمهات يغطون في نوم عميق، الخدم يغطون في نوم عميق، الحيوانات والكلاب - أعزكم الله - إن وجدت في البيت ستجدها تغط في نوم عميق، كل شيء يغط في نوم عميق، ولو استيقظت مبكراً وحاولت التفكير واتخاذ قرار معين ستجد حينها أن دماغك أيضاً يغط في نوم عميق، فتتراجع عن التفكير قليلاً عل وعسى يستيقظ دماغك بعد برهة من الوقت لتستطيع التفكير.

لا بد هنا أن أعود سنوات طويلة للوراء، يومها كنا أطفالاً لا تتجاوز أعمارنا الخامسة عشرة، إذ كان اليوم الوحيد الذي كنا نحصل فيه على إجازة من الدراسة قبل أن يتم إقرار إجازة اليومين بعد تخرجنا بسنوات، لم نكن نهنأ بيوم الإجازة بل كان يمر سريعاً علينا، يبدأ النشاط يومها بالاستيقاظ من النوم الساعة الثامنة صباحاً، لا مجال للنوم أكثر أو حتى التمتيح (تراوح الأيادي وتعاقبها)، فأنت ستستيقظ غصباً عن شاربك (شواربك) إن كانت قد نبتت من الأساس.

وجبة الفطور غالباً ما يكون عبارة عن البلاليط بالبيض (الشعيرية)، لم يكن الإفطار إلزامياً، ولكن الإلزامي هو أن يقف الأولاد والبنات بجانب بعضهم البعض في صف واحد لشرب الحلول، والحلول عبارة عن خلطة أعشاب هدفها تسييل البطن وتنظيفها من الغازات والأكلات التي تم تناولها على مدار الأسبوع، كان شراب الحلول بمثابة الدستور الذي يجب تطبيق مواده في كل صباح جمعة عند العديد من الأسر والعائلات في تلك الفترة.

يشرب كل واحد منا الشراب المر مع الحرص على مسك الأنف كي يساعد على شرب الجرعة كاملة دون توقف، يعقبها تناول ملعقة من السكر لإزالة طعم مرارة الحلول، وخلال ساعتين أو ثلاث على أكثر تقدير يبدأ مفعول الحلول في الظهور، فيبدأ التوافد السريع على الحمام الوحيد في المنزل بعد التطهير الكيماوي للمعدة الذي ما بعده تطهير!

وقبل أذان صلاة الجمعة تبدأ فعالية الاستحمام استعداداً للتوجه إلى المسجد، وإذا ما كان الاستحمام في الأيام الحارة فالأفضل الاستحمام الجماعي في حوش المنزل باستعمال ماء الطوي (البئر) تحت إشراف رب الأسرة، وبعد الانتهاء من هذه الفعالية نرتدي ملابسنا للتوجه إلى المسجد.

نتعمد اختيار الزوايا الخلفية من المسجد، نجلس فنلتصق ببعضنا البعض كأننا بنيان مرصوص، نتحدث كثيراً ونرفع أصواتنا إلى أن يقوم أحد الموجودين بطردنا أو تنبيهنا لنصمت، وعند إقامة الصلاة نصلي في الصفوف الخلفية من المسجد.

يسلم الإمام فننطلق بأقصى سرعة إلى خارج المسجد، يتفقد كل واحد منا نعاله، وقد يعود أحدنا حافي القدمين خاصة إن كان نعاله جديداً من نوع تميمه أو كاراتيه، نجلس قرب الدكان الصغير الذي غالباً ما يكون ملاصقاً للمسجد، نثرثر ونغيظ بعضنا بعضاً، وقد يشتكي منا الآسيويون الذين نرميهم بأشياء صغيرة عندما يمرون أمامنا، نتذكر الغداء فيعود كل واحد منا للمنزل على وجه السرعة وقد اغبرت قدماه، فتجد والدك ينتظرك عند الباب فتتردد في الدخول أو تفكر في طريقة للإفلات مما قد ينتظرك من عقاب.

عند الجلوس لتناول طعام الغداء، تضطر للأكل سواء أعجبك أم لم يعجبك فلم تكن جملة لا أشتهي هذا الطعام موجودة في قاموس تلك الأيام، وبعد الأكل نستريح قليلاً ثم نتابع الفيلم الهندي الذي يبث كل يوم جمعة، نتأثر حينها بالأحداث والقصة والضرب والموسيقى التصويرية وكل ما يحصل فيه من أحداث غريبة.

قد نخرج قليلاً من البيت وقد لا نخرج، فنستمر في متابعة التلفزيون، وقد يكون الحظ سيئاً خاصة عندما يتم عرض مسلسل «دالاس» الممل جداً، أو قد يمر اليوم سريعاً ولا تشعر بنفسك إلا مستلقياً على السرير أو على الدوشق (المرتبة) لتستسلم للنوم دون أدنى مقاومة، ثم تجد نفسك قد استيقظت في صباح اليوم التالي لتتذكر أن عصا الأستاذ راسم في انتظارك فتتمنى حينها لو كانت كل الأيام جمعة.

 

almzoohi@