كانت الخرافة أحد أساليب الترهيب والتخويف التي استعملها آباؤنا وأمهاتنا خلال فترة الطفولة، كان يتم استخدام مسميات لشخصيات غريبة وخرافية لمنعنا من القيام بعمل ما، إضافة إلى التحذيرات الأخرى من الإصابات التي قد نتعرض لها أثناء لعبنا ولهونا، فلا تفعل ولا تفعل، وبطبيعة الحال مرت السنوات وما زالت تلك التحذيرات تتردد في ذاكرتنا مع أنها تكاد تندثر ولا نسمع بها إلا في القصص التراثية القديمة!

عند الظهيرة تأتي التحذيرات بعدم الخروج من المنزل ظهراً وإلا فقد تأكلنا حمارة القايلة، لم نكن نستطيع تحديد أو تخيل شكل حمارة القايلة وكيف ستأكلنا وبأي طريقة، المهم أنها حمارة تقوم بالتهام الأطفال الصغار، كما يتعين عدم الاقتراب من "الكويل"، و"الكويل" هي الدوامة الهوائية الصغيرة لأن الجني يحركها وقد يقوم بسحبنا إلى داخلها، كذلك كانت تتردد على مسامعنا سالفة الجمل الذي قد يلتهمنا بالزبد الأبيض الذي يخرج من فمه وبالتالي يمنع منعاً باتاً الاقتراب من أي جمل يهوم في الفريج.

ورغم ذلك كنا نضرب عرض الحائط بهذه التحذيرات، إذ كنا نستغل غفوة أهالينا في فترة القيلولة لنخرج من البيت، خاصة وأنه لا شيء لنفعله عند انتهاء البث التلفزيوني في الإجازة الصيفية على وجه الخصوص، فنتسلل خلسة إلى خارج المنزل، نخرج حفاة القدمين في الأرض الرمضاء، نحوم حول الصنية (مكب النفايات في الفريج)، إذ لم تكن الحاويات موجودة في ذلك الوقت، بل كان السكان يرمون النفايات في مكان واحد في الفريج، لتتجمع الكلاب والقطط والأبقار وجميع أنواع الحيوانات السائبة عند الصنية!!

نطارد تلك الحيوانات ونرميها بالحجارة الصغيرة فتهرب من المكان، أو قد يتجه الثور باتجاهنا فيختلط الحابل بالنابل ونطلق سيقاننا للريح، ونعود بعد ذلك للعب واللهو قرب الصنية، هناك قد نلتقط لعبة قديمة أو شيء ما يمكن أن نستفيد منه، وما أكثر الأشياء التي وجدناها مثل بقايا دراجة هوائية أو كرة قدم فاستفدنا منها بطريقة أو بأخرى.

ومن الطبيعي جداً أثناء لعبك أن تدوس قدمك على مسمار حليان (صدئ) لتلتهب قدمك بعد أيام، أو تشعر بألم في أسفل قدمك لتكتشف وجود جرح من الزجاج المكسور، لتعود ركضاً للمنزل أو تجرها جراً ليتم مداواتك بدواء (الايدين) الأحمر، وقد لا يصيبك شيء من هذا ولكن يكتشف اهلك غيابك، فإما تنفد بجلدك لبرهة من الوقت أو قد يكون جزاؤك علقة ساخنة بخرطوم المياه في حوش المنزل.

ومن كان يعيش قرب البحر فالتحذير الدائم من الكائن الخرافي بو درياه (جني البحار) الذي قد يخرج من البحر ليخطف الصغار مثله مثل الكائن الخرافي المسمى خطاف رفاي، وعندما كنا نراه في مسلسلات الكرتون وهو جني البحار كنا لا نصدق وجوده على أرض الواقع أو على الاقل نقلل من صحة وجوده، فلا نخاف ونلعب قرب البحر على الرمال، وقد نسبح في البحر مع الحذر من الغبة (الموجة العالية) التي قد تغرقنا، أو من السايورة (التيار) التي يتم التحذير منها لأنها قد تجرنا إلى وسط البحر، كنا نسبح في البحر ونأخذ الحذر من الدول ( قنديل البحر) واللخمة ذات الشوكة السامة.

وقد نلعب ونركض على الشاطئ، تتسخ أقدامنا بالقار الذي كان يصل للشاطئ من مخلفات السفن والبواخر فنستغرق وقتاً طويلاً في تنظيف إقدامنا قبل أن نعود أدراجنا الى بيوتنا قبل أن يحدث لنا أي مكروه.

وفي الليل أكثر ما كنا نخشاه أم الدويس وهي نفسها التي يسمونها في دول الخليج باسم ام السعف والليف، حيث تقول الأسطورة أو الخرافة أنها فتاة جميلة تغوي الرجال ثم تقتلهم، ويقال إن القصد منها تخويف الرجال والأولاد من النساء، كنا نخاف من أي سيدة تمشي في الظلام فنعود لبيوتنا ركضاً كي لا تفتك بنا أم الدويس.

مرت الأيام والسنوات والآن اختفت تلك الخرافات فلا عدنا نسمع عن حمارة القايلة ولا أم الدويس ولا بو درياه، وليس هناك من داعٍ لتخويف الصغار فهم في هذا الزمان يخوفون حمارة القايلة و«بو درياه».

 

almzoohi@