هي حكاية نستعيد منها الماضي، ونتشارك فيها البدايات. نتقاسم معها القدم، ونتجلى معاً أحلى الذكريات. مع قدامى عاشوا الماضي وعايشوا الحاضر ولا يزالون. سنواتهم عامرة بالعطاء، وأيامهم زاخرة بالمواقف والذكريات.
لديهم المزيد دوماً.. حكاياتنا في رمضان قصصٌ تستحق أن تُحفظ في ذاكرة التاريخ، وتوثيقٌ يصلحُ للحاضر ويزهو حتماً في المستقبل، حكاياتنا فيها عبرة وقدوة للأجيال، ولها سطوة في سجل الطموح، حكاياتنا مع الماضي تحمل من التشويق الكثير، ومن الصبر والإصرار والطموح ما هو أكبر، حكاياتنا تزودنا كل يوم بمواقف ثرية ونماذج فريدة من العطاء. حكاياتنا تستحق التوقف والإمعان، وتفرض قصراً التقدير والاحترام.. لكل يوم حكاية، واليوم هذه حكايتنا.
الحديث مع المربي محفوظ شديد شيق جدا خاصة وانه عايش بدايات التعليم ومراحل تطوره في الإمارات وأدى رسالته على أكمل وجه.
ويروي شديد من ذاكرته رحلته مع التعليم في الإمارات فيقول:
استعرض مسيرة 34 عاما في منذ العام 1966 ولغاية 2010 ، اسجل فيها أن التعليم في دولة الإمارات كان ومازال من أولويات القيادة الرشيدة، ولي الشرف أن واكبت خطوات تلك المسيرة لحظة بلحظة مؤديا رسالة اعتز وافتخر بها أمام الله وأمام أبنائي الذين باتوا الآن يتبوأون مناصب القيادة والريادة .
اكتوبر 1966 كانت البداية ، وبالتحديد من رأس الخيمة ، أول ما وطأته اقدامي ، ففي عام 1958 بدأت رحلتي مع التعليم مدرسا للغة العربية في مدارس الكويت، وبالتحديد مدرسة الفحيحيل وبدأت التعرف على أصول متنوعة من الطلاب من أبناء الكويت وبلاد الشام ومصر، ولفت نظري أطفال قادمون من امارات الخليج العربي، التي كانت تسمى (الامارات المتصالحة) ، وكان بعضهم رجالا راشدين يتعلمون في مراكز تعليم الكبار.
من بين هؤلاء اذكر المتميزين، لما لهم من أثر في مجيئي الى الامارات لاحقا، حيث كلفت من وزارة التربية والتعليم بالانتقال من ثانوية الشويخ الى رأس الخيمة، مشرفا على البعثة التعليمية ،لأكتشف ان طلابي الذين كبروا وتخرجوا من مدارس الكويت، اصبحوا يحتلون مراكز مرموقة في دولة الاتحاد، خلفان الرومي وكيل وزارة التربية والتعليم ،ثم وزيرا للإعلام، سعيد الغيث وزير دولة، سيف الجروان وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، وبوصولي الى الامارات بدأت مرحلة جديدة في عمل متفرد في دولة تتكون وترسي معالم نهضة متميزة .
في رأس الخيمة
بدأت رحلة التعرف على واقع التعليم في موقعه في امارة رأس الخيمة، فاتضح لي أنني أتعامل مع نسخة من مدارس الكويت، المناهج و المقررات نفسها، و ما يختلف هو واقع المدرسة ، فالأبنية متواضعة، بسيطة لا تخرج عن كونها مجموعة من الغرف على شكل مربع او مستطيل ،والخدمات هي نفس الخدمات من ملابس للطلاب و الكتب الدراسية و الرعاية الصحية، و المناهج تقدم من قبل البعثة الكويتية، تشاركها بعثات التعليم من مصر والسعودية، وجميع هذه البعثات ترتبط بمرجعياتها من الناحية المالية، حيث كان للجهات المرسلة مكاتب تمثلها في دبي والشارقة، اما الامور الفنية و الادارية و ما يتصل بتطبيقات المناهج، فيتولى شأنها البعثة الكويتية ، والتي كانت تدار من قبل مكتب في دبي يسمى مكتب الكويت، يشرف على المعونات التعليمية و الصحية، يمثله في كل امارة مكتب المشرف على التعليم .
على الرغم من محدودية الموارد سواء في الابنية المدرسية والوسائل التعليمية وهيئة التدريس ،استطاعت اجهزة الاشراف على التعليم في دبي و الشارقة و رأس الخيمة، ان تنظم تعليما متجانسا، وفاعلا، بمعايير ذلك الوقت، فتخرج في مدارس بعثة الكويت كما كانت تسمى ، الرعيل الاول من الشباب الذين حملوا على عاتقهم مسؤولية بناء الاتحاد في بداياته، و استطاع التعليم بتواصله ان يربط الحياة في الامارات قبل الاتحاد و بعده برباط، سهل مهمات القرار السياسي لحكام الامارات، بقيادة المغفور له المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيب الله ثراه- ونائبه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد حاكم دبي، رحمه الله، في ذلك الوقت وصف شاعر الكويت و اديبها احمد السقاف التعليم قائلا " زرت مدارس الكويت في رأس الخيمة 20/10/1967 فوجدتها منتظمة أكثر من مدارس الكويت نفسها ".
في العين
بقيام دولة الاتحاد انتهت مهمات الاشراف على التعليم الذي كان مسندا للبعثة الكويتية، وأسند للاستاذ محمد عبدالله فارس مسؤوليات ادارة التعليم في امارة رأس الخيمة، وبعرض كريم من المرحوم الدكتور عبدالملك الحمر، وكيل وزارة التربية والتعليم في ابو ظبي ، بدأت عملا جديدا في منطقة العين التعليمية، بوظيفة موجه اداري حيث بدأت مرحلة جديدة تختلف عن المراحل السابقة، محكومة برؤية مسبقة وخطط علمية وضعت بواسطة خبراء متخصصين، واخذ التعليم عدة اتجاهات، الاول استقطاب جميع مستحقي التعليم من الذكور والاناث للالتحاق بالمدارس في كل المراحل، استبدال المناهج القديمة التي كانت تؤخذ من دولة الكويت بمناهج وضعت خصيصا لأبناء الامارات، وتم التأسيس لمدارس فنية زراعية وصناعية، وبدعم من وزارة الدفاع ، قامت الثقافة العسكرية بدور فعال ومباشر .
تطور التعليم
تطورت منطقة العين التعليمية وتكاثرت اعداد الطلاب فيها، واستطاعت ان تسهم في قيام جامعة الامارات، و اتخذت من مجموعة من الابنية المدرسية ومقر المعهد العلمي الاسلامي مقارا مؤقتة، ومابين عام 1972 و2010 عشت حياة مهنية حياة تميزت بالتوافق والتنسيق مع زملاء من المواطنين والوافدين، وتمكن فريق العمل من انتاج تعليم نوعي متميز.
لكم اتمنى على ابنائي الذين ينعمون حاليا بحياة طيبة، ان يذكروا لجيل الرواد من المعلمين والمعلمات ما قدموا من تضحيات، ظهرت آثارها في حياة وطن اليوم، عرفت وزاملت الكثير من هؤلاء الجنود، في رأس الخيمة عرفت أول المعلمين، المدرس في مدرسة الرمس محمد عبدالله فارس، وفي مدرسة الجزيرة الحمراء عرفت الاستاذ عيسى بهادر وزميله الذي أذكر اسمه الاول فقط موسى، وفي مدرسة خولة المرحومة روضة المطوع ، هؤلاء من ابناء رأس الخيمة اذكرهم، لا لقلتهم وندرتهم في ذلك الوقت، ولكن لما تميزوا به من صدق في العطاء والانتماء، والى جانبهم يقف بشموخ المرحوم عبداللطيف صالح مدير مدرسة الرمس والقاسمية ، والمهندس محمد عبدالعزيز ابو غوش مؤسس المدرسة الزراعية في دقداقه، فكل من عاش في تلك المرحلة وتحمل شظف العيش يدرك قيمة ما قدموا، واذا ما توجهت بالرحمات لأرواح من رحلوا عن هذه الدنيا والدعاء لطول العمر لمن بقي على قيد الحياه، لايفوتني توجيه التحية لمن عاشوا حياتهم في الوجن والقوع و قرى العين، أذكر منهم رموزا بعضها يعيش بيننا ونسعد به ونرجو له المزيد من العمر السعيد ، ونوجه الرحمات لمن فارقونا، وخلاياهم تحمل بعضا من رمال صحراء العين وقراها، أخص باحترام المرحوم عبدالرؤوف عمار مؤسس مدرسة الوجن، وان ييسر له الله سبل الشفاء لمحمود ابو امونه، مدير مدرسة ثانوية خالد بن الوليد .
اتوقف امام اعلام الرجال ممن حققوا انجازا لوطنهم في مقدمتهم معالي الشيخ نهيان مبارك آل نهيان، رائد التعليم، ومعالي عبدالله عمران تريم، اول وزير للتربية والتعليم، ومعالي خلفان الرومي وزير الاعلام ومعالي سعيد الغيث وزير الدولة ومعالي هادف الظاهري وزير العدل هؤلاء الرجال لا أذكرهم لما انجزوا في مجال الخدمة العامة في أرقى المناصب ولكن أذكرهم لأنني عرفتهم على مقاعد الدرس إذ كانوا شبابا يافعين وأراهم اليوم رجالا شرفاء يخدمون اوطانهم .
شقائق الرجال
قال محفوظ شديد: أذكر بفخر الأعداد التي لا تحصى من الابناء الذين شقوا طريقهم وكانوا نجوما في سماء وطنهم، أذكر بعضا من شقائق الرجال في الشارقة رائدة الخدمة الاجتماعية الدكتورة عائشة السيار، وفي العين المدرسة المبدعة والادارية المميزة معالي الوزيرة الدكتورة ميثاء سالم الشامسي رئيس جامعة زايد، وهاتان السيدتان رمزان من اعداد مميزة.


