باب الغرفة مفتوح في أغلب الأوقات على مصراعيه، في تلك الغرفة الصغيرة أشياء كثيرة تستغرب كيف أنّ لها مكاناً فيها، على يسار الباب انتصب المدخن المصنوع من خوص النخل، يحمل على رأسه مجموعة من الملابس، أما المبخر فمكانه تحتها، توجد عدة وسادات مسنودة على الجدار، وأمام الوسادات صينية بها رسومات لفواكه وخضروات، سيلفت انتباهك مبيد حشري يشبه ما يشبه المنفاخ الحديدي يسمى الامشي، يوضع فيه سائل لقتل الحشرات، مقابل الباب توجد تنكة (صندوق حديدي) كبير، وبجانبه صندوق خشبي يسمونه المندوس، فوق المندوس مذياع كبير به أزرار كبيرة مدورة لتغيير التردد والتنقل بين الاذاعات.
وعلى يمين الباب سرير خشبي صغير بجانبه دولاب من بابين، تحت السرير علبتان الأولى علبة ماكنتوش قديمة، والثانية علبة بسكويت زرقاء اللون، في العلبة الأولى خيوط وأهداب وإبر للخياطة وشريط لاصق ابيض عريض، وفي العلبة الثانية أعواد آيس كريم ومادة النيل البنفسجية، وخيوط غليظة أشبه بالحبال، هذه هي عدة تفصيل البراقع، وقرب السرير هاتف قديم به حلقة دائرية الشكل كتبت في داخلها الأرقام، يوجد دفتر صغير قرب الهاتف، بداخل الدفتر الصغير عدة أسماء وأرقام كتبت بالخط الكبير.
تدب الحياة في الغرفة مع ذان الفجر وصياح الديك، حركة خفيفة على السرير، سيدة في نهاية العقد السادس من عمرها تنام قريرة العين على السرير، تضع على رأسها شيلة بيضاء بها نقوشات بسيطة، تفوح من الشيلة روائح مختلطة من دهن العود والدخون.
شعر رأسها قد اكتسى باللون الأبيض إلا من شعيرات قليلة تصدت لعقارب الزمن، الشعر نفسه قصير تقوم بتعقيصه كل صباح، وجهها أبيض دائري الشكل، أسفل الجبهة حاجبين تغطيهما شعيرات زاد عمرها عن الستين عاماً بدأ يتساقط بعضا منها، تهبط تحت الحاجبين فتجد عينين جميلتين واسعتين قد تغنى بها الشعراء في زمان مضى، بين العينين أنف طويل أشم، تحت الأنف شفتين متوسطتا الحجم، الشفة العليا اشد حمرة واصغر قليلا من السفلى، أسنانها بيضاء، قاومت أعراض التسوس، إذا ابتسمت كأن بياض الشمس قد غطى وجهها.
الرقبة ضعيفة طويلة، يزينها المرية (عقد قديم) يتدلى من رقبتها إلى صدرها النحيل، ترتدي جلابية مخورة لونها مائل للزرقة، يغطي جسدها ورجلاها اللتان أنهكها العمر، والساقان نحيلتان متوسطة العرض والحناء الأسود اللون يغطي قاع القدمين.
تنزل بهدوء على السجادة، تزحف وهي جالسة نحو الزوية (الحمام)، تدخل لتتوضأ ثم تخرج وهي زاحفة، تتناول العصا لتفتح إنارة الغرفة، تتكئ على المطرح، تمسك بالقرآن الكريم، قرآن حجمه كبير نسبياً، الخطوط فيه كبيرة والأحرف متباعدة لتستطيع قراءتها، تقرأ قليلا من القرآن حتى يحين موعد إقامة الصلاة، تضع القرآن الكريم على جنب وتفترش سجادة الصلاة لتصلي عليها وهي جالسة.
تتجه بعد ذلك نحو غرفة صغيرة مجاورة للمطبخ، تجلس بجانب الكوار (وعاء معدني يوضع فيه الجمر)، ترش قليلاً من القاز (الغاز المسال) ثم تستخدم عود الثقاب لإشعال الفحم، تضع علبة صغيرة مفتوحة من الأعلى والأسفل لضمان اشتعال الفحم عن طريق تيار الهواء باستخدام المهفة.
بعد اشتعال الفحم تسحب الأواني التي جهزت فيها العجينة من الليلة الماضية، غالباً ما تعجن لتتخمر ويمكن من خلالها خبز الخمير أو الجباب، تحضر ما يشبه المقلاة المخصصة لخبز الخمير، تضع العجينة ثم تعدلها بيدها على المقلاة، يستوي الخبز من جهة ثم تقلب المقلاة رأساً على عقب حتى يستوي خبز الخمير.
تجهز الحليب والقهوة وقبل أن يستيقظ أولادها وبناتها من النوم ليكون جاهزاً لهم، يستيقظ جميع من في البيت، يتناولون طعام الافطار، هناك من يجهز كتبه في انتظار حافلة المدرسة أو يتوجه للمدرسة مشياً على الأقدام، وهناك من يرتدي ثيابه متوجهاً إلى مقر عمله.
لم يكن هذا وصفاً لسيدة بعينها، قد تكون جدتي وجدة أي قاريء منكم، لا أخفي عليكم كم أحن إلى رائحة جدتي.
