هي حكاية نستعيد منها الماضي، ونتشارك فيها البدايات. نتقاسم معها القدم، ونتجلى معاً أحلى الذكريات. مع قدامى عاشوا الماضي وعايشوا الحاضر ولا يزالون. سنواتهم عامرة بالعطاء، وأيامهم زاخرة بالمواقف والذكريات. لديهم المزيد دوماً.. حكاياتنا في رمضان قصصٌ تستحق أن تُحفظ في ذاكرة التاريخ، وتوثيقٌ يصلحُ للحاضر ويزهو حتماً في المستقبل، حكاياتنا فيها عبرة وقدوة للأجيال، ولها سطوة في سجل الطموح، حكاياتنا مع الماضي تحمل من التشويق الكثير، ومن الصبر والإصرار والطموح ما هو أكبر، حكاياتنا تزودنا كل يوم بمواقف ثرية ونماذج فريدة من العطاء. حكاياتنا تستحق التوقف والإمعان، وتفرض قصراً التقدير والاحترام.. لكل يوم حكاية، واليوم هذه حكايتنا.
في ذلك الزمان الذي يندر فيه وجود الخدمات الطبية ويشتد المرض ويتعذر الشفاء يكون وجود الطبيب بمثابة الرحمة التي لها أهميتها. وهو وإن كان كذلك في الوقت الحالي إلا أن حاجة الإنسان في ذلك الزمان لهذه الرحمة وإحساسه بها كانت أكثر إلحاحاً وحدة. فالناس بحاجة إلى من يشعر بآلامهم وبحاجتهم للعلاج والدواء. يتحدث لغتهم ومن ثم يسهل عليهم حياتهم.
الدكتور رأفت حسين، جراح مصري من أوائل الأطباء المصريين الذين خدموا في القطاع الطبي في الدولة، حيث كانت بداية خدمته في الدولة في أغسطس عام 1978 بعقد عمل مؤقت مع مستشفى القاسمي في الشارقة، والذي كانت تديره شركة طبية خاصة آنذاك، ثم التحق بوزارة الصحة ليعمل في مستشفى الفجيرة القديم. حيث حملته ذكريات ذاك الزمان إلى سنوات منبعها حب العطاء والرؤية لتطوير مفهوم الصحة لدى الجمهور.
توعية صحية
الدكتور رأفت حسين واحد من أقدم الأطباء العرب الذين أخذوا على عاتقهم مساعدة المرضى وتوعية المجتمع الإماراتي بالخدمات الطبية، حيث بدأت رسالته المهني ة منذ 35 سنة في مستشفى الفجيرة القديم، والذي لم يكن يضم غرفة عمليات، وكان دوره يقتصر على معاينة المريض وتشخيص حالته لبساطة الإمكانيات الصحية التي كانت في المنطقة في ذلك الوقت، فأقسام المستشفى القديم بالفجيرة كانت عبارة عن عيادة باطنية وجراحة وعيادة نساء وولادة ومختبر بسيط يقوم بعمل التحاليل الأساسية المتمثلة في الدم والبول والبراز فقط. في حين لم يكن المستشفى في السبعينات يحتوي على غرفة عمليات ويتم تحويل كافة الحالات الحرجة إلى إمارة دبي في الإسعاف.
وأضاف أن إمكانيات عيادة النساء والولادة لا تتجاوز المتابعة الطبية والولادات الطبيعية، حيث كانت ترسل الولادات المتعسرة إلى مستشفى دبي بالإسعاف، مشيراً إلى أن سيارات الإسعاف في ذلك الوقت كانت تقوم بالدور الأكبر والمهم.
ولبساطة الأوضاع في بداية قيام الاتحاد كانت الخدمات الطبية في إمارة الفجيرة متواضعة فقد كانت عيادات الأسنان عبارة عن سيارة كبيرة متنقلة مجهزة بأدوات لمعاينة أسنان المرضى، في حين أن أغلب الخدمات الطبية في ذلك الوقت كانت أولية ولا تتجاوز تشخيص الأمراض البسيطة إلى أن تم إضافة غرفة جراحة في مستشفى الفجيرة القديم، حيث اقتصرت الجراحات في ذلك الوقت على كل من الدكتور رأفت حسين ومدير المستشفى آنذاك، فهما كانا الجراحين الوحيدين هناك. وبدأ المستشفى يتعامل مع الحوادث والجراحات البسيطة التي تقوم على التخدير الموضوعي فقط.
ويذكر الدكتور رأفت أن الانتقال للمستشفى الحالي كان في عام 1985 الوقت الذي بدأ فيه استقطاب أطباء متخصصين في العظام والجراحة وغيرها من الأقسام الطبية، حيث بدأ يعتمد على نفسه في تقديم الخدمة الطبية المتخصصة للمواطنين والمقيمين. مشيراً إلى أن أغلب الحوادث التي كانت ترد إليهم في تلك الفترة هي حوادث عمالية في مواقع العمل والإنشاءات الحديثة، حيث كانت إجراءات السلامة بسيطة وغير مستوفية الشروط.
مدير الرعاية الصحية
ومع توقيع وزارة الصحة الإماراتية اتفاقية في أواخر عام 1985 مع منظمة الصحة العالمية حول تطبيق شروط الرعاية الصحية الأولية في الدولة عين الدكتور رأفت حسين مديراً لإدارة الرعاية الصحية الأولية بإمارة الفجيرة، وكان أحد الأطباء والإداريين الذين اختارتهم الوزارة لتحديد معايير تطبيق شروط الرعاية الصحية في الدولة.
طبيب وإداري
ومنها تجاوز الطبيب رأفت حسين حدود مهنته كجراح إلى ممارس عام في شؤون الرعاية الصحية على مدى 20 عاماً، حيث كان يمارس طب الجراحة مع برامج التوعية الصحية في كافة المناطق التابعة لإمارة الفجيرة والمقدر عددها بـ 45 منطقة.
فالدمج بين العمل كطبيب جراح وممارس في الرعاية الصحية الأولية ساعد على تكوين شخصيته المهنية. يتذكر كيف كانت بدايتهم، حيث كان الفريق الطبي والتمريضي يتوجه إلى أماكن بعيدة من أجل توصيل الخدمات الطبية وعمل برامج توعية إلى أقصى حدودها، ومنها: منطقة وداي الحلو الواقعة بين أحضان الجبال، حيث تستغرق الرحلة ما بين ساعة ونصف الساعة ذهاباً وإياباً لملاقاة أهلها، ويقول: إن المفرح في الأمر عندما تمارس شيئاً تعشقه وتقدمه كخدمات للناس دون مقابل في سبيل علاجهم وإراحتهم من آلامهم وأوجاعهم يعد أمراً في غاية الروعة.
ففي ذلك الوقت كان عدد البيوت والناس قليلاً إذا ما قورن بالوقت الراهن، وكان لبزوغ شمس الاتحاد وتقدم الخدمات الطبية دور في تكوين سمعة جيدة جعلت عدداً كبيراً من أولئك السكان يثقون بالخدمات العالية بها ويأتون لتفحصهم ومعالجتهم ومتابعتهم. فضلاً عن التفاعل الملموس والإيجابي من أمهات البيوت في تعلم مهارات التعامل مع المواقف والأمراض الصحية لدى أبنائهم وأسرهم.
وأوضح الدكتور رأفت أن برامج التوعية الصحية بالأمراض المنتشرة والسلوكيات الصحية الواجب اتباعها في الحياة اليومية أخذ منهم الكثير، إلا أنه وصفها بالسنوات الجميلة، حيث قاربتهم مع الناس والمواطنين الذين كانوا من أشد المتفاعلين مع برامج التوعية الصحية.
فقد كرس 20 عاماً من مشوار حياته المهنية في وزارة الصحة لتفعيل برامج هيئة الأمم المتحدة الخاصة بالتوعية عن ممارسات الرعاية الصحية الأولية.
وأكد أن تجاربهم مع المناطق البعيدة كانت ممتعة ومفيدة، حيث أعدوا سلسلة من البرامج الخاصة بالسمنة والتطعيمات الأولية وتسوس الأسنان وشلل الأطفال ومخاطر الحروق وغيرها الكثير المتعلقة بالأمراض المنتشرة في ذلك الوقت، واستطاعوا بذلك كسب عدد كبير من أمهات المجتمع غير المتعلمات ليصبحن مرشدات صحة في مناطقهم، فضلاً عن التقليل من نسب الأمراض التي كانت تعالج بالطب الشعبي.
تحديات
حول أصعب التحديات التي واجهتهم في ذلك الزمن يشير الدكتور رأفت إلى الختان الذي كان يمارس على يد نساء ورجال في القرى، ما كان يتسبب في أضرار كبيرة لبعض الأطفال وبحكم مهنته في الجراحة فقد عمل على تكثيف برامج التوعية بمخاطر ممارسة الختان في البيوت، وهو ما انعكس إيجابياً مع الوقت، حيث تجاوبت الأسر والعائلات مع الحملات وزادت ثقتهم بالمستشفيات آنذاك.


