كنت قد كرهت الذهاب إلى سوق الخضار منذ طفولتي في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، كان التوجه برفقة والدي لسوق الخضروات بمثابة العقاب الذي يتعين أن يتم معاقبتي به في إجازة الصيف، خاصة عندما يكون الجو جميلاً جداً لدرجة أنك تتمشى في السوق وتشعر بنسمات الصيف الباردة الشبيهة بشتاء لندن تلفحك من جميع الجهات!

كان والدي يصر على اصطحابي معه عندما كنت صغيراً إلى سوق الخضار القديم الذي كان يقع مقابل مستشفى دبي في منطقة الحمرية، فهو يعلم تمام العلم أن بقائي في المنزل يعني حدوث كوارث غير طبيعية، ومشاكل وصراخ وضرب لأخوتي الذين يصغرونني سناً بوحشية، وإن كانت هذه الوحشية أقل بكثير مما يحدث في بعض بقاع العالم حالياً، لذا كان من الأفضل لسلامة المنزل ومن يعيش فيه أن اخرج معه كل يوم تقريباً، ومن ضمنها أن اذهب معه إلى سوق الخضار.

كانت ثقافتنا الاستهلاكية في تلك الحقبة تتطلب أن يقضي والدي أكثر من ساعة ونصف على الأقل في عملية التسوق وشراء الخضار والفواكه، وإذا ما صادف يوماً حاراً مشبعاً بالرطوبة فستتعرض حينها إلى أبشع نوع من أنواع التعرق الذي يمكن أن تصادفه في حياتك، خاصة في غياب المكيفات والمراوح وكل وسائل الراحة في السوق، حينها لم أكن أتوقف عن التذمر والتأفف ونظرات الغضب، بينما يقوم هو بتهديدي بالعقاب الشديد أو النظر لي بنظرات تجعلني أتسمر في مكاني من الخوف.

عندما ندخل للسوق يكون الحمالون على أهبة الاستعداد للحاق بالمتسوق، والدي بخبرته كان يستطيع اختيار الحمال الذي يمكنه الصمود تحت ظروف الطقس الطبيعية وغير الطبيعية دون أن يتذمر، تبدأ بعدها رحلة التسوق وعملية المفاصلة في الأسعار، عندما يقول البائع: 20 درهما، يرد والدي: 10 دراهم، ثم يتطور الأمر ما بين رغبة في الشراء ورغبة في الانصراف، وغالباً ما يكون الشراء بنصف السعر المبدئي خاصة عندما ينصرف والدي فينادي عليه البائع موافقاً على السعر الذي يريده.

ثم يتكرر نفس الموقف عند كل بائع وكل دكة لبيع الخضار والفواكه، مفاصلة في السعر مع تعنت أو موافقة ورفض، وانصراف ثم رجوع، تذمر وتأفف، عرق وحر ورطوبة، رفع أكمام اليدين وإرجاعها إلى مكانها المعتاد!

وبعد ساعة ونصف من التسوق تكتشف أن ما تم شراؤه قد تشكل على عدة طوابق في العربة البدائية القديمة، كانت المشتريات غالباً ما تكون عبارة عن كرتون موز فلبيني وصندوق طماطم وكرتونة برتقال بوسرة وكرتونة تفاح تشيلي وعدة ربطات من البقدونس والجرجير والكزبرة... الخ، ولا بأس حينها من الاستعانة بحمال آخر عندما تضيق العربة الأولى بما رحبت.

أذكر أننا في تلك الأوقات كنا نتفاخر بما نشتريه مع أن اغلبه قد يفسد ويصبح غير صالح للأكل فيكون حينها طعاماً للماعز والبقر في البيوت، لم تكن تلك عادة والدي وحده بل كانت السمة الغالبة على معظم المتسوقين المواطنين، فيما كنا نسخر من الأجانب، ونتهمهم بالبخل عندما نراهم قد اشتروا تفاحة أو تفاحتين، أو عدة حبات من الموز... الخ من السوبر ماركت والبقالات.

والآن مع تطور الثقافة الاستهلاكية والشراء اتضح أن الأجانب كانوا على حق، بينما كانت عادتنا الشرائية على خطأ، فتغيرت طرق وأساليب التسوق لدينا تدريجياً، وصار التركيز على النوعية وليس الكمية، خاصة عندما يكون التسوق في الجمعيات التعاونية الكبيرة التي وفرت سبل الراحة للمتسوقين والمتسكعين على حد سواء.

بتنا نصطحب أولادنا تحت سقف الجمعيات المكيفة ومنافذ البيع الكبيرة مثل اللولو وكارفور وغيرها فلا يشعرون بذلك الملل الذي كنا نشعر به، ولا بالرطوبة والحرارة التي كانت تلفحنا في تلك الفترة، بل صار التسوق عند بعض الأولاد متعة، يستغلون عربات التسوق للركوب عليها وإزعاج المتسوقين الآخرين كأنهم يتسابقون في حلبة ياس لسباقات الفورمولا.

ورغم ما عانيناه خلال تلك الفترة تحت الشمس أحياناً وفي الرطوبة الشديدة أحياناً أخرى، فإني اكرر على الدوام، كان يا مكان عشنا طفولتنا في أحلى زمان!