هي حكاية نستعيد منها الماضي، ونتشارك فيها البدايات. نتقاسم معها القدم، ونتجلى معاً أحلى الذكريات. مع قدامى عاشوا الماضي وعايشوا الحاضر ولا يزالون. سنواتهم عامرة بالعطاء، وأيامهم زاخرة بالمواقف والذكريات. لديهم المزيد دوماً.. حكاياتنا في رمضان قصصٌ تستحق أن تُحفظ في الذاكرة، وتوثيقٌ يصلحُ للحاضر ويزهو حتماً في المستقبل، حكاياتنا فيها عبرة وقدوة للأجيال، ولها سطوة في سجل الطموح، حكاياتنا مع الماضي تحمل من التشويق الكثير، ومن الصبر والإصرار والطموح ما هو أكبر، حكاياتنا تزودنا كل يوم بمواقف ثرية ونماذج فريدة من العطاء. حكاياتنا تستحق التوقف والإمعان، وتفرض قصراً التقدير والاحترام.. لكل يوم حكاية، واليوم هذه حكايتنا.
المعلمة عزيزة محمد محمد منصور كغيرها من المغتربين الذين عانوا وقاسوا من لوعات البعد عن وطنهم الأم وبالأخص في وقت لم تكن فيه وسائل الاتصال والمواصلات السريعة متاحة، ولكن لوعتها سرعان ما تلاشت أمام احتضان أهل دبا لها الذين فتحوا بيوتهم لها واعتبروها بنتاً لهم وأختاً من أخواتهم، لمَ وهي التي شهدت تربية أولادهم وأولاد أولادهم جسديا ونفسيا بواسطة الرياضة، وعاصرت الجيل وأبناء الجيل حتى إن أكبر الطالبات اللاتي أشرفت على تأهيلهن وتهذيبهن باللياقة والرياضة عمرها الآن قرابة الأربعين عاما.
وفي حديثها مع الـ"البيان "تطرقت" ماما عزيزة، كما يطلق عليها، والتي تعتبر واحدة من أقدم معلمات الرياضة المدرسية في المنطقة الشرقية، إلى محطاتها الاجتماعية والتعليمية والتي كانت في مدارس مكتب الشارقة التعليمي وتحديدا في دبا الحصن، عاشت حياتها في التنقل بين تعليم التربية الرياضية وإقامة النشاطات والمسابقات والعروض الفنية. وأشارت بقولها: "الحياة ذات محطات عدة يزرع الإنسان بها ذكريات أيامه ولياليه.. وأنا ارتبطت بالإمارات وأهلها أكثر من المادة التي أتيت بحثا في كسبها"، وعو رؤيتها لمستقبل حصة التربية الرياضية في المدارس قالت أنها تحتاج إلى تغيير الفلسفة والنظرة... إلى التفاصيل:
بداية المشوار
"ماما عزيرة" كما يفضل الجميع مناداتها بهذا المسمى، من أرض الجولف في مصر الجديدة. حضرت للإمارات للعمل قبل 33 عاما في محاولة منها لكسب لقمة العيش وتحسين أوضاعها المعيشية، وكذلك لتجربة حياة جديدة وبالأخص في الخليج الذي بدأ وقتها ينبض بالحياة. حيث أتت في عام 1980 قادمة للارتباط رسميا بزوجها المعلم "محمود هاشم" الذي كان يعمل معلم رياضة قبل قدومها بثلاث سنوات في مدينة دبا الفجيرة بمدرسة عبدالله بن حمد الشرقي للتعليم الثانوي بنين، وبدآ يؤسسان حياتهما حتى تمكنت في سبتمبر عام 1981 بعد إنجابها ابنتها الأولى من الالتحاق في وظيفة معلمة رياضة ثابتة بضدنا لمدة عام.
وكانت البداية الحقيقية من مدرسة سلمى بنت قيس حاليا والتي تدعى سابقا "حليمة السعدية" في مدينة دبا الحصن. ولبثت في هذه المدرسة 25 عاما، وكذلك المدينة حتى هذا الوقت رغم عمل زوجها وسكنهما في دبا الفجيرة الخمس السنوات الأولى. فيما خمس سنوات أخرى قضتها في العمل في الصالة الرياضية وتدرس حاليا ومنذ ثلاث سنوات في مدرسة الحور للتعليم الأساسي ح2 إلى جانب عملها التطوعي بالتنسيق مع عدة جهات محلية لإقامة عروض رياضية فنية مميزة. وعلى مر السنين اكتسبت ثقة الناس والمكتب التعليمي وإدارات المدارس واحترامهم، خصوصاً أنها من أوائل المعلمات المقيمات اللاتي تعاقدت معهن وزارة التربية، كما أن جميع الطلبة والمعلمين والإداريين يحرصون على زيارتها أو السؤال عنها.
فقد حصلت على بكالوريوس تربية بدنية من جامعة القاهرة عام 1975 ونالت معدل جيد جدا. مشيرة إلى أنها دائما أحبت الرياضة التنافسية والرياضة بشكل عام، ومهنة تعليمها كانت وضعا طبيعيا لحلم الطفولة، وهي لاتزال تعمل بكل حيوية ونشاط، منوهة إلى طالباتها اللواتي تشرفت بتدريسهن، وبعد تخرجهن في الجامعات احتللن مكانة مرموقة في الدولة وحصلن على مناصب عالية.
مساهمات وإنجازات
ومن بين الأعمال التي تحققت ومازالت ماثلة لها: كان ذلك حينما فاز فريق كرة الطائرة في مدرسة سلمى بنت قيس الثانوية على المركز الأول على مستوى الدولة في الدورة المدرسية الأولى تحت شعار "المشاركة أولاً والفوز ثانياً" والذي كان مقاما في إمارة دبي. حيث تم تكريمهن من قبل الفريق ضاحي خلفان تميم القائد العام لشرطة دبي. حيث لقيت هذه البطولة نجاحا باهرا وأصبحت المدارس تركز على الألعاب الجماعية تماما كاهتمامها في الألعاب الفردية.
ويشير المسؤولون في عدد من الهيئات التعليمية والتدريسية التي عملت بها، إلى أنه رغم كبر سنها إلا أنها تصر على العمل بحماس كبير وتقوم بالكثير من الأعمال من إعداد الجداول والأنشطة والعروض الرياضية الفنية ومساعدة زملاء العمل سواء داخل المدرسة وخارجها.
علاقة الناس ببعضهم
عن العلاقات الاجتماعية في المجتمع الإماراتي في السابق، تقول المعلمة عزيزة: "كانت العلاقة عائلية، الجيران أهل وإخوان رجالا ونساءً. كانت الرحمة والتعاطف والتراحم والمساعدات هذه أمور منتشرة في المجتمع قديما وخصوصا في أوقات المناسبات كرمضان والعيدين، والزيارات الاجتماعية صفة سائدة. ولاتزال تلك العادات متأصلة وإن قلت عن ذي قبل". واختتمت حديثها بقولها: "من الواضح أن عودة الرياضة المدرسية لتكون رياضة منافسات تحتاج إلى تغير الفلسفة والنظرة إلى حصة التربية الرياضية، وبالأخص وأنها كانت ومازالت الحاضنة لرياضة الإمارات وهي الأساس في تخرج المواهب الرياضية وبدلاً من أن يكون هناك مدرس لحصة التربية الرياضية يكون هناك مدرب للألعاب الرياضية. بالإضافة إلى وضع هذا المادة مادة أساسية يحاسب عليها الطالب في المرحلة الثانوية".
وأضافت: صحيح أن جمهورية مصر العربية هي وطني الأم لكنني أعترف بأنني أشعر بغربة شديدة عندما أذهب إليها في زيارة ربما لأنني لا أعرف أحداً هناك سوى إخوتي وأولادهم وبعض الأصدقاء. وأنا قدمت إلى الإمارات وأنا ابنة الثالثة والعشرين عاماً وكل الذين تربطني بهم صداقة ومعرفة يعيشون هنا في الإمارات وتحديداً في مناطق الساحل الشرقي ودبا الحصن على وجه الخصوص، فهم أشخاص يحملون قلوباً حانية وقد سبق أن ساعدوني كثيرا في أوقات الحاجة ودعموني. ودائماً أردد على مسامع أهلي عندما أقضي إجازتي بينهم بأنني اشتقت لأهلي وبلدي الإمارات. فيقولون لي إن هنا بلدك وهنا أهلك، فلماذا الحنين، أقول لهم: هناك معهم عشت أجمل سنوات عمري وتشربت عاداتهم وتقاليدهم أحببتهم وأحبوني فصرت لا أطيق فراقهم.
وتؤكد "ماما عزيرة" أنها ستحاول أن تواصل عملها في مجال اختصاصها خصوصاً أنها مازالت تحس بالنشاط والحيوية.
بحر الذكريات
تغوص أبلة عزيرة في بحر ذكرياتها التي عايشتها في الإمارات، وتدمع عيناها إلى أنها أيام جميلة ولا تعوضها بأي شيء، بداية من منزلها عبارة عن فيلا كبيرة بمنطقة دبا والذي كان يحتوي على بئر صغيرة وأخذت تزرع فيه مختلف الأشجار والمزروعات


