يشتعل رأسي شيباً، وتتساقط ما تبقت به من شعرات في رأسي كلما دخلت في حوارٍ مع أبنائي حول المصروف اليومي للمدرسة، إذ يعتبرون أن المصروف البالغ الخمسة عشر درهماً مبلغاً تافهاً لا يكفيهم للشراء من المدرسة، بينما أراه من وجهة نظري المحترمة والخبيرة مبلغاً كبيراً. كما أنهم يتحججون بأن ما تقدمه وتجهزه لهم والدتهم في علبة الطعام التي تحوي يومياً العصير والماء وقطعة بسكويت أو شوكولاته لا يغني ولا يسمن من جوع، بل يعتبرونها بمثابة التحلية التي يجب توفيرها لهم في اليوم الدراسي الطويل على حد قولهم.

تشك لحظتها في نفسك لدرجة تظن فيها أنك أبخل أبٍ على وجه الكرة الأرضية فتعيد النظر في المبلغ، وقد تصبح حاتم الطائي في زمانك لتعطي أولادك مبلغ 20 درهماً أو ما يزيد!

لا أعرف لماذا في كل مرة أدخل معهم في هذا النقاش البيزنطي أتذكر تلك الحقبة من الزمان عندما كنا ندرس في المدارس الحكومية أواخر السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، أتذكر كالحلم وصول السيارات الكبيرة البيضاء التي تقوم بتوزيع التغذية المدرسية المجانية على المدارس الحكومية، الخاصة، كانت شركة (راشد بوست) يومها المسؤولة عن تجهيز وتوزيع الوجبات الغذائية على المدارس في جميع إمارات الدولة.

وقبل أن يدق جرس الفسحة بعد الحصة الثالثة نكون قد استلمنا حصتنا اليومية من سندويتش الجام (المربى) والجبن إضافة إلى قطعة الشوكولاته الصغيرة، نأخذ السندويتشات حتى لو لم نكن سنأكلها، فقد يطلبها منك زميلك الذي يجلس بجانبك أو خلفك لأنه لم يحصل على مصروفه اليومي من والده أو والدته في ذلك اليوم.

وقبل أن تبدأ الفسحة يكون البعض منا قد شرع في تناول السندويتشات خلسة، أو قد يحتفظ بها البعض منا ليتناولها في وقت آخر، أو قد تكون في أحيان أخرى هدية للأستاذ عبدالمنعم الذي نعطيه الشوكولاته في الحصة الأخيرة يوم الثلاثاء لنتجنب ضرباته بالعصا الطويلة في حصة الجغرافيا!، فكانت تلك الضريبة التي ندفعها لتكفينا شر ضرباته وعصاه ولسانه.

يدق جرس الفسحة لينطلق أكثر من 500 طالب باتجاه المقصف الخشبي في الساحة الخلفية للمدرسة، يحدث اختناق وتزاحم وغبار وتصاعد للأتربة في ساحة المدرسة الرملية، كأن أمة محمد تعاني من القحط والمجاعة والحرمان في عام الرمادة، من الطبيعي جداً أن تكون الغلبة للأجساد القوية التي تدفع الأجساد الأخرى بكل ما أوتيت من قوة لتتمكن من الشراء من المقصف، أما الضعيفة والهزيلة فكانت في وضعية الانتظار والقلق والتوتر والابتعاد عن الصراع والتدافع حتى تضع حرب المقصف أوزارها.

كان يباع في المقصف البيبسي والماليتا إضافة إلى سندويتش فلافل وزعتر، ولا تعلم حينها كيف سنكمل يومنا عندما تكتشف بقايا لصرصور أو حشرة أو أي شيء مقزز في سندويتش الفلافل، وبالأخص عندما تشعر أنك أكلت شيئاً مقرمشاً فتسارع إلى لفظه من فمك. كانت تلك الخيارات المتاحة لنا، يومها كان المصروف عبارة عن درهم واحد وقد يكون درهمين في أفضل الأحوال، وقد تقترض من زميلك درهماً نسميه درهم سلف، لكنه بالتأكيد سيطالب باسترداده في اليوم التالي مباشرة.

تنتهي الفسحة بسرعة دون أن نستمتع بها، ثم نكمل ما تبقى من الحصص مضروبين ومغصوبين عليها، وعندما ينتهي الدوام الدراسي نلملم كتبنا الكثيرة التي غالباً ما كنا نصفها في حزام مخصص للكتب، نفكر في رحلة العودة مشياً على الأقدام إلى منازلنا بالكاد تحملنا أقدامنا الصغيرة.

نخرج من المدرسة فنصادف البائع المتجول الذي يحوم قرب المدرسة كما يحوم الذباب عليه، ينادي بصوت عالٍ: سمبوسه.. سمبوسه، ينزل الكرتونة من دراجته الهوائية السوداء، يتجمع الطلاب حوله بمعية الذباب، نبحث في جيوبنا فإن وجدنا درهماً أو درهمين يكون خيارنا شراء سندويتش السمبوسة بالداقوس (الفلفل) أو سندويتش البيض.