هي حكاية نستعيد منها الماضي، ونتشارك فيها البدايات. نتقاسم معها القدم، ونتجلى معاً أحلى الذكريات. مع قدامى عاشوا الماضي وعايشوا الحاضر ولا يزالون. سنواتهم عامرة بالعطاء، وأيامهم زاخرة بالمواقف والذكريات. لديهم المزيد دوماً.. حكاياتنا في رمضان قصصٌ تستحق أن تُحفظ في ذاكرة التاريخ، وتوثيقٌ يصلحُ للحاضر ويزهو حتماً في المستقبل، حكاياتنا فيها عبرة وقدوة للأجيال، ولها سطوة في سجل الطموح، حكاياتنا مع الماضي تحمل من التشويق الكثير، ومن الصبر والإصرار والطموح ما هو أكبر، حكاياتنا تزودنا كل يوم بمواقف ثرية ونماذج فريدة من العطاء. حكاياتنا تستحق التوقف والإمعان، وتفرض قصراً التقدير والاحترام.. لكل يوم حكاية، واليوم هذه حكايتنا.

 

تبقى مهنة الطب رسالة وعملا انسانيا ذا دلالات وقيم اخلاقية عالية، مبضع الجراح وان كان مؤلما ففيه الشفاء ايضا من الألم، وصدق الطبيب مع مريضه، وابتسامته على وجهه هي نصف العلاج ايضا، تلك هي الرؤية المهنية التي تميز بها الدكتور سيد العدل عبر اربعة عقود خلت عمل فيها طبيبا ومعالجا في مختلف العيادات والمراكز الطبية المنتشرة في مدينة العين وضواحيها في زمن كان العلاج النفسي اهم من العلاج الدوائي، حيث كان الناس يلجأون للمطاوعة والأطباء الشعبيين ممن كان زادهم حينذاك أعشابا يجمعونها من البراري والجبال، كون الناس في ذاك الزمن تمرض ولا تعرف سببا او مسميات لمرضها، القضاء والقدر هو الرد الوحيد لمن يمرض.

يقول الدكتور سيد العدل ان تحب الماضي او تكرهه فهو جزء من حياتك، ولكل انسان جبل يصعد إليه ولكل عمر همومه ولكل زمن معطياته ورجالاته فمنذ اربعة عقود مضت وبالتحديد في الأول من ابريل من العام 1976، ذاك اليوم الربيعي حطت قدماي على ارض مطار ابوظبي وسط كومة من رمال الصحراء تتقاذفها الرياح يمينا وشمالا وسط حرارة ورطوبة عالية، جئت يومها احمل طموحاتي ومؤهلاتي الطبية للعمل في ابوظبي طبيبا، حيث كان عدد الأطباء محدودا ومراكز الرعاية الصحية محدودة والإمكانات ايضا محدودة. لكن الطموحات كانت كبيرة.

بساطة وسهولة

ويرى الدكتور سيد العدل أن الإجراءات في ذاك الزمن كانت سهلة وبسيطة، وهناك اريحية ومصداقية في التعامل، كنا نلقى كل الاحترام والتقدير اينما سرنا، حيث تم تقديم الأوراق واجريت المقابلة في يوم واحد، وعلى الفور تم تعييني في مشفى العين الحكومي، الذي كان يعرف حينذاك بين اواسط ابناء المدينة بمشفى الجيمي، وفي الطريق من ابوظبي للعين كانت تراودني صور واحلام وذكريات، الطريق طبعا لم يكن كما هو عليه الآن ولا حتى السيارة حيث كان انين مكيفها يطغى على الصمت المطبق فيما العرق يتصبب، وفجأة يقطع سلسلة افكارك قطيع من الجمال يعبر الطريق.

حيث كانت تكثر حوادث الطرق بسبب الجمال، وصلت إلى مشفى الجيمي الذي كان عبارة عن وحدات من صناديق خشبية وبعض الغرف الصغيرة المتواضعة المخصصة للعمليات، وصيدلية خلف العيادات إلى جانب سكن العاملين من اطباء وصيادلة وممرضين، وبالجانب الآخر مطعم صغير للموظفين، حيث كانت الوجبات الغذائية حينذاك مجانية للموظفين، وكذلك غسيل الملابس وحتى المواصلات من المشفى للمدينة كانت متوفرة وبالمجان، عملت في قسم العيادات الخارجية التي كانت تعمل على مدار 24 ساعة للرجال والنساء، حيث كان الكشف الطبي والعلاج بالمجان وحتى العمليات الجراحية على مختلف اشكالها، كانت فترة غنية وثرية بالقصص والحكايات فالناس كانت على سجيتها وعلى فطرتها.

علاقة إنسانية

وفي العام 78 ارسلت إلى منطقة مد يسيس - القوع حاليا - على بعد اكثر من 190 كليومترا، لم تكن هناك سوى كثبان الرمال المتنقلة صباح مساء، حيث تكاد معالم الطريق تختلف بين ساعة واخرى حسب جهة الريح وتموضع الرمال، يومها تم افتتاح عيادة خارجية عملت بها لمدة سنتين ربطتني خلالها مع سكان تلك المنطقة من البدو الأصلاء علاقات انسانية رائعة، ما زلت احتفظ بها حتى الآن، تتالت بعدها حركة التنقل بين العيادات حسب مقتضيات العمل.

حيث انتشرت العيادات الصحية في مختلف ارجاء المدينة وضواحيها وتم افتتاح عيادة هيلي، المسعودي، اليحر الكويتات، عيادة المدينة وسط السوق، ومشفى الساد للأمراض الصدرية، فقد عاصرت وعايشت قصص افتتاح تلك المراكز وطريقة عملها، سيما وان مشفى العين تم افتتاحه رسيما في العام 1980، وعدت للعمل فيه مرة اخرى في قسم الحوادث لأكثر من 20 عاما، شغلت خلالها منصب نائب رئيس قسم الحوادث، ومن ثم عينت نائبا لرئيس المستشفى.

حيث كان يشغله الدكتور حسن فضل الله، ثم جاء الدكتور مطر الدرمكي بعد ذلك، حيث غادرت المشفى في العام 2007، بعد رحلة طويلة بين انين المرضى وفرحة المتعافين، تعرفت على زملاء ادوا مهنتهم بكل شرف وامانة ومسؤولية، فصحة الإنسان كانت هي هدفهم، ولكن علاقتي بأرض الإمارات ورغم تلك السنين ما انقطعت، بل ترسخت اكثر، واستمررت بمواصلة تأدية رسالتي وعملي الطبي، حيث انتقلت للعمل طبيبا في مشفى الإمارات ومديرا للمجمع فيه، اواصل الرسالة الطبية بكل فخر واعتزاز.

حيث علمتني السنين التي عملت بها معاني كثيرة، في مجتمع تسوده المثل والقيم، كان الهدوء والصفاء والوفاء هو ميزته الأساسية طيبة الناس وبساطتهم واريحيتهم، قبل ان تدخل عوامل التغيير والتطوير التي نالت من كل شيء في المجتمع، أربعون عاما كنت فيها شاهدا على تحولات جذرية في تطور مجتمع دولة الامارات.

حيث كان المغفور له - باذن الله - الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، يضع صحة ابناء شعبه في مقدمة اولوياته، ويسأل دائما عن صحتهم وعن قوت يومهم وعن مستقبلهم، يوفر لهم كل متطلبات الرعاية الصحية اينما كانوا أو تواجدوا، فما هو ممكن داخل الدولة يتم تنفيذه فورا، وما استعصى كان يرسله خارج الدولة للعلاج على نفقته الخاصة، كان المريض يرسل برفقة عائلته، واحيانا يرسل معه طبيبا مرافقا للإشرف والمتابعة، حسب الحالة، كانت نظرته رحمه الله ان الشخص الصحيح المعافى هو نواة المجتمع القادر على البناء والنماء.

تطور الحياة العامة

 

طالت عوامل التطور الكثير الكثير من جوانب الحياة العامة، وحتى الخاصة، وفي مقدمتها الصحة والتعليم، حيث عاصرت افتتاح جامعة الامارات وما قدمته من الخريجين والخريجات، حيث عملت في العام 1983 ضمن فريق العمل الطبي، عندما تم افتتاح كلية الطب، كنا نعمل جنبا إلى جنب مع الأطباء من خيرة الكفاءات والتخصصات، التي حرصت على توفيرها دولة الإمارات، من أجل سلامة وصحة ابنائها وبناتها،