قبل سنوات كان لا بد أن ترى تلك الملاعب الرملية المنتشرة عندما تتجول في الفرجان المختلفة، إذ تعتبر كرة القدم اللعبة الأولى التي يمارسها الأولاد في الفرجان، تنتقل من فريج إلى آخر فتجد الأولاد يلعبون في تلك الساحات المفتوحة دون كلل أو ملل.
عندما لم يكن لدينا ملعب لنمارس فيه لعبة كرة القدم كنا نبحث عن ساحة رملية مناسبة، ثم نوزع أدوار العمل فيما بيننا، هناك من يتوجه إلى اقرب موقع للبناء لإحضار عدة ألواح خشبية لتكون قوائم وعارضة، وقد لا نجد قطعة خشبية طويلة بما فيه الكفاية فنضطر إلى استخدام المسامير لوصلها مع قطعة خشبية أخرى، تبدأ بعدها مرحلة الحفر في الرمال لوضع القوائم، تتساقط الرمال أثناء الحفر فنقوم برش الماء، ندفن بعد ذلك القوائم في التربة، وربما ندفن حجارة في الحفرة لضمان تماسك القائم بقوة في الرمال، وغالباً ما كنا نتفاجأ بمرمى أكبر من الآخر من حيث الطول أو العرض أو الارتفاع، إنما في كل الأحوال كنا نستمتع بلعب كرة القدم في كافة الظروف المناخية.
كان لدينا ما يسمى قائد الفريق أو كابتن الفريق، غالباً ما يتم اختياره بناء على العمر والمهارة والقوة، نشاط كرة القدم كان يتم بصورة شبه يومية، حيث نتجمع بعد صلاة العصر أو بعد مشاهدة مسلسلات الرسوم المتحركة ثم نتوجه إلى الملعب. الكرة التي نلعب بها تُشترى من قبل أحد أعضاء الفريق، ولكن المصيبة عندما يتحكم بها أحدهم لفرض رأيه وشروطه وإلا فإنه سيسحب الكرة في منتصف اللعب، وفي أحيان أخرى كنا نجمع المال لشراء كرة قدم لا يتحكم فيها أي شخص.
بعد التجمع في الملعب نستعد لإجراء التقسيمة إذا ما كان العدد كافياً لذلك، وإذا ما كان العدد فردياً فإنه يطلب من آخر لاعب يحضر رفع كلتا يديه، واحدة على شكل لكمة والأخرى على شكل كف، نسمي هذه الحركة (بوكس طراق)، ثم ينزل إحدى يديه ليلعب مع قائد الفريق الذي اختار البوكس أو الطراق، وقد يصل احدهما متأخراً فينضم للفريق الناقص، وفي بعض الأحيان نفضل تطبيق النظام فلا نسمح لأي شخص متأخر باللعب إلا إن كان أحد زعماء الفريج، هنا لا قانون يمكن تطبيقه عليه في هذه الحالة.
كانت قوانين الفريج تختلف قليلاً عن قوانين كرة القدم الرسمية، بمعنى كان يلعب معظمنا وهو يرتدي الكندورة، البعض يضعها في ملابسه الداخلية التي غالباً ما كانت شورت بخط ملون على جانبيه، أو يربطها على بطنه، وإذا ما اصطدمت الكرة بالدشداشة وهي منسدلة نسمى ذلك فاول كندورة، أما إذا اجتمع اثنان على واحد فيحتسب «فاول اثنان على واحد»، وربما يكون العدد قليلاً فيكون آخر لاعب في الفريق هو حارس المرمى ليستطيع مسك الكرة بيديه، وغيرها من القوانين التي كانت من صنع لاعبي الفريج.
كانت تواجهنا مشكلة عندما يكون الملعب قريباً من البيوت، تخيل هنا كم مرة تسقط الكرة داخل البيت، فيغضب أهل البيت ولا يرمون الكرة لنا، أو قد ترمى لنا وقد تم تمزيقها إرباً إرباً. الشجارات كانت طبيعية جداً احتجاجاً على التحكيم وعلى الخشونة، وقد تتطور إلى دفان في الأرض ليخرج احد الطرفين أو كلاهما من المعركة وقد صار وجهه مليئاً بالرمل، وإذا ما تفاقمت المشكلة فقد يحدث عمل انتقامي في كسر العارضة والمرمى، وقد يدخل احدهم بسيارتهم فيعيث في الملعب فساداً ويخربه فيصبح غير صالح للعب بفعل آثار السيارة.
وإذا ما استمر اللعب دون مشاكل فينتهي مع أذان المغرب، حيث ينفض السامر، هناك من يذهب للاغتسال عند اقرب مسجد وهناك من يذهب مباشرة لبيته وهو يقطر رملاً حتى يعايره أهله بلقب حفار الطوايا (حفار الآبار) من كثرة الرمال على وجهه وجسمه.
في وقتنا الحاضر افتقد الأولاد والشباب مثل هذه الملاعب الرملية بسبب الزحف العمراني، ولم تعد تغريهم لعبة كرة القدم كما كانت تغرينا، فانشغلوا بأشياء أخرى، انشغلوا بالبلاك بيري وألعاب النتورك والآيباد وغيرها، فنحن نتعامل في وقتنا هذا مع أبطال الديجتال.
almzoohi@
