هي حكاية نستعيد منها الماضي، ونتشارك فيها البدايات. نتقاسم معها القدم، ونتجلى معاً أحلى الذكريات. مع قدامى عاشوا الماضي وعايشوا الحاضر ولا يزالون. سنواتهم عامرة بالعطاء، وأيامهم زاخرة بالمواقف والذكريات. لديهم المزيد دوماً.. حكاياتنا في رمضان قصصٌ تستحق أن تُحفظ في ذاكرة التاريخ، وتوثيقٌ يصلحُ للحاضر ويزهو حتماً في المستقبل، حكاياتنا فيها عبرة وقدوة للأجيال، ولها سطوة في سجل الطموح، حكاياتنا مع الماضي تحمل من التشويق الكثير، ومن الصبر والإصرار والطموح ما هو أكبر، حكاياتنا تزودنا كل يوم بمواقف ثرية ونماذج فريدة من العطاء. حكاياتنا تستحق التوقف والإمعان، وتفرض قصراً التقدير والاحترام.. لكل يوم حكاية، واليوم هذه حكايتنا.
الطبيب والاستشاري عبدالمعطي يونس رئيس الأطباء والمدير الفني لمستشفى الشيخ خليفة بن زايد في عجمان، جاء إلى الإمارات قبل 35 عاماً، حاملا في حقيبته مشرط جراحة وسماعة طبية وشهادات تميز في دراسة الطب، وباقة أمل وتطلعات لخدمة والعمل بدولة الإمارات العربية المتحدة. وذلك بعد تخرجه في كلية الطب في جامعة القاهرة عام 1970 كان الرابع وبتقدير امتياز على مستوى دفعته المكونة من1500 طالب. عين معيداً وأستاذاً مساعداً في كلية الطب، وخلال سبع سنوات نال درجة الدكتوراه في الجراحة العامة.
ملامح الأمس
يروي الطبيب يونس ذكرياته عن الأمس قائلًا: جئت إلى الإمارات عن طريق زميل الدراسة في كلية الطب الدكتور الشيخ سعود القاسمي، وكيل وزارة الصحة سابقاً، الذي أخبرني عن إمكانيات الإمارات وفرص العمل في الحقل الطبي بعد نشوء دولة الاتحاد. حطت بي الطائرة في مطار أبوظبي القديم في يوم15/12 /1978 وكانت الإمارات حينها تتلمس سبل التطوير والعمران، ولا توجد عمارات سكنية أو فنادق كبيرة.
وأول عمل قمت به هو زيارة مستشفى الجزيرة، وكان عبارة عن عدد من المباني الصغيرة، لكنه يقدم خدمات علاجية ذات جودة عالية، والتقيت بوكيل وزارة الصحة، الذي رحب بقدومي للإمارات، وقبل أن أغادر مكتب الوكيل أخبرته بأن زوجتي طبيبة ومتخصصه في أمراض النساء والولادة، وكما تم تعييني في مستشفى الفجيرة، عينت هي الأخرى في المستشفى مسؤولة رعاية الأمومة والطفولة.
لمسات فنية لأول غرفة عمليات
عند وصولي إلى الفجيرة داومت مباشرة، وأذكر أنه لم تكن توجد عمارات نهائيا في الفجيرة، وكل المساكن عبارة عن بيوت شعبية، وكانت الطريق وعرة وبها منحنيات وتمر بأودية، ولم يكن المستشفى مكتمل التخصصات، وبطبعي كطبيب جراح أحب ممارسة المهنة بيدي، فطلبت من أحمد محمد شريف مدير منطقة الفجيرة الطبية، والدكتور عبدالله العربي مدير المستشفى بعمل غرفة عمليات لإجراء العمليات الجراحية، ولاقى الطلب التشجيع، وكان في المستشفى غرفتان خالتان تم استخدامهما لإنشاء أول غرفة عمليات في الفجيرة، وذلك بعد إجراء اللمسات الفنية وعمل ديكور بسيط. وكنت أول طبيب جراح يجري عملية جراحية على مستوى إمارة الفجيرة، حين قمت باستئصال الغدة الدرقية، وحصوة الكلى والقولون، وكانت هذه الغرفة بمثابة اللبنة لإنشاء قسم الجراحة في مستشفى الفجيرة الجديد الذي انتقلت للعمل به في عام1982.
القضاء على الملاريا المزمنة
أثمرت الجهود التي بذلتها وزارة الصحة بانتشار الوعي والثقافة الصحية بين الناس، وتم القضاء على بعض الأمراض مثل الملاريا، وأتذكر أنه وبعد إجراء كل عملية جراحية كانت ترتفع درجة حرارة المريض، وتبين بأنها الملاريا المزمنة، وهي تأتي عند التأثير الجراحي أو انخفاض مناعة المريض، والحمد لله تم القضاء عليها وعلى شلل الأطفال، وفي ذلك الوقت لا توجد صحة مدرسية ولا طب وقائي، وتم استكمال عمليات التطعيم في نهاية السبعينات من القرن الماضي، واليوم لا توجد حالات مرضية إلا وسط العمالة الوافدة وهي نادرة.
تطوير المرافق الصحية
وقد عاصرت جهود الدولة الكبيرة المبذولة لتطوير المرافق الصحية على مدار الثلاثين عاما الماضية، وقد قمت بتدريب أطباء قسم الجراحة بمستشفى راشد في دبي، على إجراء عمليات باستخدام المناظير في عام 1994. حيث أنجز مستشفى الشيخ صقر في رأس الخيمة، والبراحة في دبي، ومستشفى خليفة في عجمان، والمستشفى القاسمي في الشارقة، وتم توفير أحدث الأجهزة الطبية والخبراء في تخصصات الطب المختلفة.
ولم يخطر على بالي أن أشهد هذا التطور العمراني الكبير، والتطور في كافة المجالات الصحية والصناعية، فاليوم في الدولة14 مستشفى و67 مركزا صحيا تتبع لوزارة الصحة، مقارنة بفترة قدومي حيث كان عدد المستشفيات لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، ثم أصبح في كل إمارة مركز لرعاية الأمومة والطفولة، والطب الوقائي، والصحة المدرسية. وهو تطور مذهل وسريع. كنت أقيم في بيت يطل على كورنيش عجمان، حيث الحركة فيه لا تذكر، أما اليوم فالشارع نفسه خلية نحل في حركة متواصلة، كما أن الحركة العمرانية كانت بسيطة مقارنة باليوم فهي شيء لا يوصف.
نجاح الإدارة والإرادة
إن الإمارات نجحت في تحقيق التنمية بفضل السياسة التي تعتمد على خطط استراتيجية واقعية، لكون الإمكانيات وحدها لا تحقق النجاح، وهنالك كثير من الدول ذات الأقدمية وتمتلك الأموال؛ لكنها لم تحقق أي إنجاز يذكر على صعيد التنمية البشرية كما فعلت الإمارات.
الأمان عامل في إبداع المقيمين
أنا أحمد الله أنني قضيت في هذا البلد، أجمل سنوات عمري، ورزقت فيه بأربعة أولاد، وهم أحمد طبيب يعمل في المستشفى القاسمي، وأيمن طبيب في مستشفى خليفة، وسامح متخصص في نظم المعلومات، وحسام مهندس كهربائي. وقد حرصت على تعليمهم في المدارس الحكومية للحفاظ على لغتهم العربية، وكانوا جميعهم متميزين في الدراسة. كما أن نجاح وإبداع المقيمين في الإمارات يرجع إلى وجود الأمان والراحة النفسية والعيش الكريم، وهذه عوامل تسهم في خلق الإبداع.
إمكانيات
أحدث مستشفى الفجيرة الجديد نهضة طبية في مجال تقديم الخدمات العلاجية، حيث يستوعب 1250 مريضا، وتوافرت له كل الإمكانيات والتخصصات الطبية.


