عندما عرفنا شهر رمضان للمرة الأولى، ذكريات لم ولن ننساها رغم مرور أكثر من ثلاثين عاماً على أول صيام لنا، كنا أطفالاً صغاراً لا نعرف شيئاً عن رمضان سوى أنه يعني الامتناع عن الأكل والشرب حتى موعد الإفطار، كنا نحن الصغار نجتمع ونجلس أمام التلفاز الوحيد في البيت الصغير وقت الظهيرة، نقضي تلك الفترة في متابعة مسلسلات الكرتون مثل جزيرة الكنز ومغامرات السندباد، ومسلسل سمير والطابة العجيبة... الخ.
يومها لم يكن هناك ما يسمى القنوات الفضائية، كنا نجلس لنتابع القنوات أو المحطات التي تبث أرضياً من التلفزيونات المحلية مثل تلفزيون أبوظبي ودبي، ثم نضطر من حين لآخر لتعديل الهوائي الخارجي إما يدوياً أو باستخدام الجهاز الذي يتحكم بدوران الهوائي لضمان وضوح الصوت والصورة، يصيبنا ذلك بالإحباط عندما نحاول تعديل الصوت والصورة دون جدوى، ونكون سعيدين عندما ننجح في ذلك، فنستمر في المتابعة، وبعد انتهاء المسلسلات نلعب في حوش المنزل لبعض الوقت أو قد نركب على الجدران ونصعد إلى سطح المنزل.
وبعد أن يبلغ التعب منا ذروته، نستريح قليلاً ثم يتأكد كل واحد من صيام الآخر، فيخرج الواحد تلو الآخر لسانه، فإن كان أبيض اللون فيعني أنه لم يتناول الطعام أو الشراب خلسة! وإما إن كان غير ذلك فيعني أنه «فاطر» والله أعلم، لنبدأ بعدها في التهديد وإبلاغ أهالينا واستخدام أسلوب الابتزاز الطفولي.
وقبل موعد الإفطار بساعة نخرج من المنزل لنقوم بمهمة التوصيل للمنازل، نحمل الصحون التي تحوي (الهريس والثريد) وغيرهما من الأطعمة إلى الجيران في الفريج، وقبل أن نتحرك لا بد أن نستمع للتعليمات والتوجيهات من أمهاتنا في ما يتعلق بنوعية الطعام والبيت المستفيد منه، ننطلق نحو تلك المنازل القريبة من بيوتنا لتوصيلها، وقد نعود بصحونٍ أخرى من الجيران في طريق عودتنا.
نحملها ونحن نضحك ونركض، نمشي ونتوقف، أو قد ننظر إلى ما تحويه تلك الصحون ثم نسمع أصواتاً تنادينا تحثنا على التحرك بسرعة.
نجلس على السرود أو السماط قبل أذان المغرب، وقد وُضعت الصينية الكبيرة، نتجمع حولها لنأكل من صينية واحدة، وعندما يكون العدد كبيراً توضع صينية للكبار وأخرى للصغار، ننتظر سماع صوت الأذان، ننتظر بلهفة بينما تلك الأصوات في بطوننا لا تتوقف عن الصراخ، وما ان نسمع الأذان حتى نشرع في الأكل وشرب الفيمتو والتانك وسن كويك، ثم لا بد أن ننهيها بعد الإفطار بتناول الفرني أو الكاسترد أو الجيلي والكريم كارمل، لنستريح بعدها لمدة ربع ساعة.
كأنه البارحة عندما كنا نتابع البرامج الخفيفة والمسلية بعد الإفطار، ولا بد أن تمر علينا فقرة الشركات الراعية لجوائز شهر رمضان، نشعر بذلك الملل الذي لا يطاق عند بث هذه الفقرة، نستعد بعدها لأداء صلاة التراويح في المسجد، يمشي الكبار باتجاه المسجد بينما نتبعهم في الخلف، نهرول تارة ونمشي تارة أخرى ونركل كل ما يصادفنا في طريقنا، نصلي في الصفوف الخلفية ليحلو لنا الجو، ندوس على أرجل بعضنا أو ينبه أحدنا الآخر عندما نشعر أنه مُلتهٍ عن صلاته، وبمجرد الانتهاء من ركعة التراويح الثامنة نطلق سيقاننا للريح خارج المسجد.
كأنه البارحة عندما كنا نتجمع عند الدكان خارج المسجد لنمارس الألعاب الصبيانية في تلك الفترة مثل (كوك واسبيرو واليوريد) وغيرها من الألعاب التي تتطلب الركض والإفلات والتخفي، نلعب ونركض في الظلام، لا نخشى الشياطين المقيدة في رمضان.
وبعد أن يُنهكنا التعب نرتاح قليلاً ثم ننتقل للساحات الرملية التي تتحول في شهر رمضان إلى ملاعب لكرة الطائرة، يلعب فيها الشباب الأكبر سناً منا، بينما يكتفي الصغار بمتابعتهم لبعض الوقت، وبعد أن يصيبنا الملل نعود بعدها إلى منازلنا فنستسلم للنوم، ولا ندري هل سنستيقظ للسحور أم لا.
كأنه البارحة عندما أتذكر وأعيش تلك اللحظات لحظة بلحظة، أقارنها برمضان الحاضر وكيف اختلف علينا، كانت تلك البساطة غالبة على حياتنا في رمضان بعيداً عن كثرة المسلسلات والقنوات الفضائية والبرامج الهابطة، أتذكر تلك اللحظات وأتمنى لو تتوقف عجلة الزمان عن الدوران، ألا ليت الزمان يعود يوماً، ولكنه بالتأكيد لن يعود... اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا، واجعلنا من عتقاء النار.
@almzoohi
