لم يقف الإنسان الإماراتي مكتوف الأيدي أمام متطلبات الحياة وصعوبتها في الماضي، حيث ابتكر واجتهد ليزيل التحديات التي اعترضت طريقه، وشق بعزيمته وسائل وبدائل هونت ضيق العيش، وترك منجزات خلفه أذهلت الأجيال التي أعقبته. وصناعة السفن أحد الشواهد على قوة عزيمة الإنسان الإماراتي القديم، حيث استطاع أن يبحر بعشرات ومئات الأطنان فوق مياه البحر، على الرغم من قلة العلوم التي استند عليها، وبدائية الإمكانيات المتاحة حينها، إضافة إلى أنه لم يدرك قوانين التعامل مع مياه البحر والطفو والتي جسدت اليوم في العديد من النظريات والمؤلفات التي توصل إليها العلماء والمهندسون في هذا المجال، وبعد مئات السنين من الدراسة والتجربة.

مرونة عالية

تعد صناعة السفن من الحرف التقليدية التي عمل بها العديد من الآباء والأجداد منذ مئات السنين، وتتعدد أنواع السفن التي صنعوها بناء على طبيعة استخدامها، إذ تختلف قوارب وسفن صيد الأسماك عن سفن صيد اللؤلؤ وحمل البضائع والركاب، وتتميز كل سفينة ببعض الخصائص عن السفن الأخرى وبحسب نوعية استخدامها، كما أن لها مسميات متعددة من أبرزها "السنبوك" و"البوم" "الهوري" "و" الماشوّة" و "اللّنج" الذي لايزال استخدامه شائعاً إلى اليوم ويتكرر اسمه بين العديد من البحارة والصيادين.

تصنع السفن من أخشاب "الساج" التي كان معظمها يستورد من الهند، وهو خشب شديد التحمل والقوة لا يؤذيه اتصاله بالحديد، ويتميز بمرونة عالية تسهل عملية استعماله وتقويضه بحسب الشكل المطلوب، إضافة إلى قدرته على البقاء طويلاً في الماء، وتُشد هذه الأخشاب بالحبال المصنوعة من ألياف جوز الهند "الكمبار" وتثبت بالمسامير الحديدية التي تستخدم خصيصاً لصناعة السفن، وتتميز بأشكالها وكبر حجم بعضها.

محمد أحمد صالح أحد الأشخاص الذين امتهنوا صناعة السفن منذ نعومة أظفاره، تعلم أسرار المهنة من والده الذي ورثها بدوره من أبيه وأجداده، وأتقن آلياتها وتفاصيلها، يقول: هناك العديد من المراحل التي تمر بها صناعة السفينة، والتي تبدأ من قطع الأخشاب وتجهيز الحبال والمسامير وبعض الأدوات البسيطة، ويعتمد عدد العاملين في السفينة أو القارب بناء على حجمه، فقوارب الصيد لا يزيد عدد العاملين بها عن شخصين في كثير من الأحيان، ولا تتطلب مدة زمنية طويلة، أما سفن البضائع والركاب والتي تخوض عباب البحر لفترة طويلة تتطلب عدداً أكبر من الأشخاص ومدة زمنية طويلة.

صيانة السفن

يشير صالح إلى أن صيانة السفينة بشكل دوري لا تقل شأناً عن صناعة السفن وخصوصاً تلك التي تمكث في البحر لمدة طويلة، كسفن صيد اللؤلؤ وسفن التجارة، وينتج عن ذلك التصاق بعض الشوائب في الجزء السفلي من السفينة، وتتأثر بالبلل مما يسهم في زيادة وزن السفينة أو "المحمل" ويعيق حركتها، وخصوصاً أن الاعتماد قديماً كان على المجاديف والأشرعة.

إذن صيانة السفينة بشكل دوري وإزالة الشوائب التي تتسبب في تآكل أخشابها تحد من زيادة وزنها، وتتم الصيانة بإخراج السفينة إلى اليابسة، وتركها لتجف من المياه، ثم تبدأ عملية "تقشيرها" بآلة حادة الأطراف تشبه إلى حد ما عملية إزالة القشور عن السمك، وبعد تسد الشقوق بالألواح أو "الفتيل" وهو حبل قطني يساعد على سد الفوهات الصغيرة بين أجزاء الأخشاب، ويعقب ذلك دهن المركب "بالِصلْ" وهي مادة دهنية تتكون من شحم الحوت، تسهم في الحفاظ على الأخشاب من التآكل، وتمنعها من امتصاص المياه وتراكم الشوائب، أما الجزء الداخلي من المركب فإنه ينظف بالمياه، ويطلى بمادة" القار" أو دهن بعض الأسماك.