ما زلنا مع الرحالة البريطاني رونالد كودراي في نصه النادر الذي نشرته له مجلة "ناشيونال جيوغرافيك" في عددها الصادر في يوليو 1956، والذي يوصف بجدارة بأنه كنز من الذكريات سجل بالقلم والكاميرا على نحو نادر المثال. في هذا النص الذي يحمل عنوان: "ساحل مشيخات شبه الجزيرة العربية الصحراوية" ينطلق بنا كودراي في أسواق دبي، التي احتفظت على مدى عقود طويلة وحتى اليوم بقدرتها المدهشة على استقطاب المتسوقين بما تقدمه لهم من مختلف السلع والخدمات التي تجمع بين الثراء والتعدد.
ويتطرق كودراي إلى الحياة الاجتماعية كما عاشها في رحاب الإمارات خلال السنوات التي أمضاها فيها منذ أواخر الأربعينات وحتى منتصف الخمسينات من القرن الماضي. فهو يشيد بكرم أبناء المنطقة وحرصهم على الترحيب بضيوفهم مهما كانت ندرة الموارد المتاحة لهم، سواء في المدينة أو البادية.
وينتقل الرحالة البريطاني إلى ملامح من الحياة في المنطقة في هذه المرحلة التي تعود إلى أكثر من نصف قرن من الزمان، فيشدد على حرص أبناء المنطقصة على المحافظة على الملامح التراثية البارزة في عالمه، ومنها رياضة القنص بالصقور وسباقات الهجن، التي يروي منها مشاهد حية مفعمة بالانفعالات والإثارة، والتي عاشها بنفسه مشاهداً يوشك أن يكون مشاركا. ويتوقف كودراي عند ملامح من حياة البادية مشددا على الأهمية الاستثنائية للآبار في حياة البادية ، حيث ترتبط بالحياة ،ويفصل القول في ما يتعلق بالإبل ودورها في حياة البادية، فهي جزء لا يتجزأ من هذه الحياة ومصدر لاستمراريتها على نحو لا مجال للجدال فيه.
على مهل تعلمنا التقاط اللهجة التي يتحدث بها الشحوح، وهي لهجة قد لا تبدو مألوفة بالنسبة لمن ليست لديهم خبرة بالمنطقة. ومن الأمور الغريبة الطريقة التي يصف بها أبناء هذه المناطق الجبلية الواحد منهم الآخر ب "ولد" ويقول الواحد منهم، أيضا، مشيرا إلى الفرد من الأشخاص المقيمين في الوادي المجاور لهم بأنه "ولد"، وهم يعيشون حياة بسيطة، ويحرص الواحد منهم على أن يتقلد خنجرا يضعه في حزامه، وفي الوقت نفسه يحمل في إحدى يديه بندقية ، وفي الأخرى بلطة صغيرة.
والكثير من أبناء المناطق الجبلية يعملون بصيد السمك، ويحملون صيدهم بعد تجفيفه في الشمس إلى عائلتهم المقيمة في أعالي التلال.
وقد تعلمنا تدريجيا بعض عادات الشحوح ، ومن هذه العادات ما قصد به إظهار حرص أي شخص من أبناء قبائل الشحوح الكريمة في المنطقة ، والذي يتزوج فتاة من قبائل الشحوح، على إتمام هذا الزواج.
ويقيم بعض الشحوح في كهوف، والبعض الآخر في دور غير مسقوفة، وتظل الفتاة في داخل الدار بينما ينتظر أقاربها في الخارج. ويبدي الزوج المنتظر حرصه على التقرب من أصهاره المقبلين من خلال محاولته دخول الدار التي يحرسها أقارب العروس المنتظرة بعناية بالغة.
ولم يشعر بعض الشحوح بالارتياح عندما حاولت تصويرهم لأول مرة، ولكنهم بعد فترة تعودوا أن يتم تصويرهم.
مضينا نتوغل أكثر فأكثر في النطاق الجبلي بالمنطقة وكانت هناك مؤشرات محدود للحياة هناك، وإن كنا نسمع بين الحين والآخر نداء الشحوح بعضهم على البعض الآخر بصوت يتردد عاليا في أرجاء الأودية، وبين الفينة والأخرى يبدو شخص ما وقد لفته الظلال فوق قمة قريبة، وهو يتابع تحركنا ثم يختفي عبر الأفق فجأة.
وصلنا بالفعل إلى منطقة تلتقي عندها سفوح التلال مع رمال رأس الخيمة الحمراء. وهنا نجد أنفسنا قد عدنا من جديد ، وفي هذه المرحلة من الجولة تقتضي الضرورة وجود أشخاص من قبيلتين في وقت واحد، وهما الخواطر والمزاريع، وقد حرصنا على استضافتهم لتناول طعام الغداء، حيث أمرت بنحر خمس ذبائح احتفاء بالضيوف البارزين. وقرابة المغرب أدركت أن هناك ما يزيد على مئة ضيف، ولكن طباخنا المبتسم لم يشر إلى ما يوحي بالانزعاج.
إطلالة على الشواطئ
تتألف شواطئ الساحل المتصالح بصورة أساسية من امتدادات مترامية من الشواطئ التي لا يقطنها أحد، والتي لا يقطع استمراريتها إلا وجود قرى صيادين متباعدة تتألف من مساكن العشيش الصغيرة، وإلى الشمال الشرقي يختفي الشاطئ كلية وتوغل تلال من الحجر الجيري ناتئة في البحر. وعلى ساحل الفجيرة رأيت استخداما آخر من قبل العرب لأشجار النخيل الثمينة ، حيث يحولونها إلى زوارق متخذة كلية من سعف النخيل المجدول.
خلال فصل الشتاء يقوم سكان هذه القرى بصيد السمك الصغير الذي يعرف باسم العومة ، والذي يستخدم كسماد وعلف للماشية، وتشارك القرية بكاملها بهذا النشاط، حيث يحمل الرجال الشباك الممتدة إلى الشاطئ ، ويقوم الصغار وكبار السن بجمع السمك وتجفيفه.
وقد استمتعت بالقيام برحلات على امتداد الساحل في القوارب المحلية ، ويعد من مؤشرات التطور أن القوارب الأكثر شيوعا تسمى الآن ب "اللنش" وهي كلمة إنجليزية بالطبع أصبحت الآن مدرجة في اللغة العربية، وعادة ما تكون هذه اللنشات سفنا محلية زودت بمحركات تعمل بالمازوت، ولكن معظمها يحتفظ بأشرعة تقليدية ، حيث إن العرب الأكبر سنا لا يزالون غير واثقين تمام الثقة بالزوارق.
السفن التقليدية الأكثر استقطابا للنظر هي بالطبع اليوم، وهي سفينة ذات أشرعة متعددة قد تصل إلى خمسة أشرعة ، وهي تصنع من خشب الساغ الملباري ، وتنطلق في بحر العرب وصولا حتى زنجبار، وتتألف الحمولات التي تنقلها من الخليج من التمر والسمك المجفف ، وبصفة خاصة لحم أسماك القرش. وتحمل لدى عودتها الخشب الذي يستخدم لبناء المساكن والبهارات والأبسطة والكثير من الأشياء الأخرى التي تتوافر في الأراضي الأكثر خصوبة.
الانطلاق إلى المجهول
يعد الإبحار بهذه السفن التقليدية شيئا لا يفتقر إلى الصعوبة، وفي بعض الأحيان فإن مصدر العون الوحيد لربان مثل هذه السفينة بالإضافة إلى بوصلته يتمثل في آلة سدس بسيطة يقيس بها الأبعاد في ظهيرة كل يوم، والبحارة الذين يعيشون مثل هذه الحياة الخطرة تماما مثل نظرائهم الذين يضربون وسط الرمال هم أناس يؤمنون بالله ويتوكلون عليه.
في إحدى الرحلات التي قمت بها دورانا حول شبه الجزيرة العربية، هبت رياح الشمال وهي الرياح السائدة في منطقة الخليج، على أشرعتنا، فسارعنا للاحتماء بجزيرة أبو موسى، وفيما كنا نلقي مرساتنا هناك، حدثنا الربان عن عاصفة هبت العام الماضي، وقال إن رياح الشمال أودت خلالها بحياة 200 شخص.
فيما وراء جزيرة أبو موسى، اقترب منا صيادون يبحرون في قوارب صغيرة وعرضوا علينا أن يبيعونا بعض الأسماك.
في كل صيف تموج في دبي والموانئ الأخرى على امتداد الساحل المتصالح بالحركة ، فيما تبدأ أطقم السفن التي ترفع صوتها بالنهمات استعدادها لموسم الغوص على اللؤلؤ، وكان الغوص على اللؤلؤ في الخليج يتم منذ أقدم العصور، وقدم بعضا من أثمن اللآلئ التي عرفها العالم. وبعيدا إلى الشمال على امتداد الساحل قضى الازدهار الذي حمله النفط معه على هذه الحرفة العريقة.
ذات صيف قمت بزيارة أسطول الغوص على اللؤلؤ وكان عدد كبير من السفن التقليدية لا يزال يلقي مراسيه في مياه المغاصات الخضراء الساكنة، وصاح بعض الغاصة من دبي الذين كنت أعرفهم مرحبين بي، ورحب بي نوخذتهم، وكان المحمل مليئا بالرجال والمعدات وتفوح رائحة المحار القوية، وكان هناك 20 من الغاصة في الماء.
تعد الطريقة العربية في الغوص على اللؤلؤ، التي لم تتغير عبر القرون، طريقة بسيطة، حيث يهبط الغيص على حبل مزود بالأثقال الذي يرفعه في وقت لاحق أشخاص تلك مهمتهم، وتتمثل الأدوات التي يستعين بها في كفوف جلدية لحماية اليدين، ومشبك من الخشب أو العظم لأنفه.
يلتقط الغيص نفسه بعمق للحظة أو لحظتين، قبل أن يغوص إلى الأعماق، حيث ينزل إلى قاع الخليج، ويضع المحارات في حمالة مثبتة في حبل الرفع، وعندما يعجز عن الاستمرار في الأعماق، فإنه يجذب الحبل وبسرعة يتم رفعه إلى سطح الماء.
جلست في مقدمة المحمل مع النوخذة فسألته عن الأعماق التي يمكن للغاصة النزول إليها، وكنت قد تخليت منذ زمن طويل عن استفساراتي المتعلقة بمدى طول المدة التي يمكن للغيص البقاء خلالها تحت الماء، حيث تراوحت الإجابات بشكل محير.
أبلغني النوخذة بأن عمليات الغوص تتم عادة فيما يتراوح بين 25 إلى 50 قدماً من الماء، وذلك على الرغم من أن بعض الغاصة الاستثنائيين بمقدورهم النزول إلى عمق 100 قدم. رصدت أوقات نزولهم فوجدت أنهم نادرا ما يغوصون إلى أكثر من دقيقة ونصف الدقيقة، وذلك على الرغم من أن الكثير منهم يمكنه الغوص أكثر قليلا من دقيقتين.
تعتمد قدرة الغيص على جرأته وتركيبه الجسماني.
بينما كنا نتحدث انشغل الغاصة بجلب ما يتراوح بين محارتين إلى 20 محارة في المرة الواحدة.، وذلك على الرغم من أن بعضهم قد يخرج بين الحين والآخر خالي الوفاض.
سألت النوخذة: " هل تهاجم أسماك القرش الغاصة؟".
قال لي النوخذة : " هذا أمر نادر للغاية على الرغم من وقوع بعض الحوادث أحيانا، وتعد البراكودة وأسماك الشيطان وأسماك أبو سيف التي تغوص على عمق أكبر خطرا وأعظم. والأعداء الأكثر إثارة للمتاعب التي يعاني منها الغيص تحت البحر هي قناديل البحر، فهي تلسع لسعات مؤلمة للغاية". وأشار إلى غاصة يرتدون ملابس قطنية كحماية ضد قراص البحر. ويواجه الغاصة مشكلات أخرى، فعادة ما يعانون من متاعب مؤلمة في الأذن ، وإذا لم يزل هذا الألم من تلقاء نفسه، فإن العلاج يكون عادة بكي الجزء من الأذن المتأثر بهذه المتاعب.
يتسم الانضباط على متن المحامل بالصرامة، ويعد الضرب على باطن القدمين عقابا مألوفا لمن يهمل في رفع الغيص سريعا لأنه يهدد حياته من خلال الإهمال، ويتم اللجوء إلى العقاب نفسه إذا ضبط أحد أفراد الطاقم وهو يحاول سرقة لؤلؤة.
لحظة تأمل
كان مرافقونا من العرب قد غادروا الحلقة التي ضربوها حول نيران المخيم، وانطلقوا للصلاة وتركونا عند دلال قهوتهم قرب النيران وإلى جانبنا استقرت الصقور فوق قوائمها التقليدية.
ولكن التفكير في المستقبل الذي يحفه المجهول يتسلل إلى سكينة جلستنا الصحراوية الهادئة. ترى أي نوع من التغيير ينتظر مشيخات الساحل المتصالح هذه ؟ إلى أي مدى سيستمر نمط الحياة القديمة في هذه المنطقة بلا تغير؟
إن مسألة التحديد النهائي لامتداد هذه المنطقة ستكون صعبة ودقيقة ، وإذا قدر لأي من هذه المناطق أن يجني الثروات التي تجيء من "الذهب السائل" الكامن تحت الرمال أو البحر، فإن نمط الحياة الراهن سيتغير بشدة.
وإلى ذلك الحين فإن نمط الوجود على امتداد الساحل المتصالح سيظل كعهده في السابق بعيدا عن أن يغيره أو يعجل من مساره مرور الزمن.
تلويحة وداع
كتب الرحالة البريطاني رونالد كودراي في مذكراته عن يوم 23 مارس 1955 ما يمكن أن نصفه بتلويحة الوداع، بعد أن أمضى في الإمارات أقل قليلا من عقد من الزمان في أواخر الأربعينات وحتى أوساط لخمسينات. وهو يقول في تلويحة الوداع تلك ما نصه:" وداعا يا دبي! ساورني شعور طاغ بالحزن ، وكان من الصعب علي أن أوضح للحاكم الشيخ راشد وللأصدقاء الآخرين أنني لا أغادر المدينة مختارا، فقد جعلوني أشعر بأن رحيلي انقطاع لاستمرارية الصداقة الممتدة بيننا عبر هذه السنوات. لسوف أعود إن شاء الله على الرغم من أنني أحس بأن الحياة هنا على نحو ما عهدته لن تظل على حالها طويلا، فهناك بالفعل العديد من مؤشرات التغيير".
وقد قدر لكودراي أن يواصل الحضور إلى المنطقة حتى رحيله عن عالمنا عام 2000 ، حيث حظي بالعديد من الجوائز وأشكال التكريم من أبناء البلاد التي احبها بصدق.
الحياة في البادية تمتد عبر نشاط لا يهدأ على مدار العام
ما زلنا مع الرحالة البريطاني رونالد كودراي في نصه النادر الذي نشرته له مجلة "ناشيونال جيوغرافيك" في عددها الصادر في يوليو 1956، والذي يوصف بجدارة بأنه كنز من الذكريات سجل بالقلم والكاميرا على نحو نادر المثال. في هذا النص الذي يحمل عنوان: "ساحل مشيخات شبه الجزيرة العربية الصحراوية" ينطلق بنا كودراي في أسواق دبي، التي احتفظت على مدى عقود طويلة وحتى اليوم بقدرتها المدهشة على استقطاب المتسوقين بما تقدمه لهم من مختلف السلع والخدمات التي تجمع بين الثراء والتعدد.
ويتطرق كودراي إلى الحياة الاجتماعية كما عاشها في رحاب الإمارات خلال السنوات التي أمضاها فيها منذ أواخر الأربعينات وحتى منتصف الخمسينات من القرن الماضي. فهو يشيد بكرم أبناء المنطقة وحرصهم على الترحيب بضيوفهم مهما كانت ندرة الموارد المتاحة لهم، سواء في المدينة أو البادية.
وينتقل الرحالة البريطاني إلى ملامح من الحياة في المنطقة في هذه المرحلة التي تعود إلى أكثر من نصف قرن من الزمان، فيشدد على حرص أبناء المنطقصة على المحافظة على الملامح التراثية البارزة في عالمه، ومنها رياضة القنص بالصقور وسباقات الهجن، التي يروي منها مشاهد حية مفعمة بالانفعالات والإثارة، والتي عاشها بنفسه مشاهداً يوشك أن يكون مشاركا. ويتوقف كودراي عند ملامح من حياة البادية مشددا على الأهمية الاستثنائية للآبار في حياة البادية ، حيث ترتبط بالحياة ،ويفصل القول في ما يتعلق بالإبل ودورها في حياة البادية، فهي جزء لا يتجزأ من هذه الحياة ومصدر لاستمراريتها على نحو لا مجال للجدال فيه.





