من بين كل الأماكن الواقعة إلى شرقي السويس، فإن عددا محدودا للغاية من المناطق يفوق الساحل المتصالح في المحدودية البالغة لما يعرفه الغربيون عنها. فهذه المنطقة الواقعة بين الربع الخالي وساحل الخليج كان يشار إليها حتى في خرائط الجمعية الوطنية الجغرافية البريطانية باعتبارها " ذات سواحل غير محددة السيادة".
غير أن قرب الساحل المتصالح من البحرين وغيرها من المراكز النفطية العظيمة في الشرق الأدنى، يجعلها جائزة رفيعة الشأن في السجال الدائر في منتصف القرن العشرين بين الشرق والغرب. وكل معلومة صغيرة عن هذه المشيخات المعتدة بنفسها، كان يجري السعي للوصول إليها بمزيد من الحرص. وقد أتاحت لي السنوات الست التي أمضيتها في العمل هناك منذ عام 1948 ، الفرصة لدراسة جغرافيتها ومعرفة ناسها على نحو لم يقدر إلا لعدد محدود للغاية من الغربيين أن يظفروا به.
من داري الواقعة في دبي كان بمقدوري أن أشاهد سفن البوم ذات الأشرعة المثلثة وهي تنطلق مبتعدة عن الخور الضحل قاصدة مرافئ بعيدة تمتد حتى زنجبار ، وتحت شرفتي كانت تتناهى إلى مسامعي الجعجعة الصادرة من الإبل التي تركها أصحابها هناك بعد أن عقلوها، وهم من أبناء القبائل القادمين من البحار الرملية الممتدة بلا انتهاء إلى شبه الجزيرة العربية ليتسوقوا في الأسواق المزدحمة.
وفي مستهل الصيف كنت أصغي لنهمات أطقم البحارة وهم يجدفون خارجين بسفنهم من الخور لبدء موسم جديد من مواسم الغوص على اللؤلؤ. وفي كل خريف وعندما كانت أسراب طيور الحبارى التي يصل حجم الواحد منها إلى ما يعادل حجم الديك الرومي تقبل إلى الصحراء ، كان الصقارة يطلون من جديد، ويمضون في المدينة وقد جثمت الصقور على مناقلها.
كان عالما غريبا، ومع ذلك، فقد أحسست بالود الشديد نحو أبناء هذا الركن القاحل والمرير من شبه الجزيرة العربية، بقدر ما ربطني الود بأي شيء أعرفه.
الساحل المتصالح
لم يكن عدد سكان مشيخات الساحل المتصالح يتجاوز 80 ألف نسمة ، وكانت خمس من هذه المشيخات تواجه الشمال عبر الخليج، وهي أبو ظبي ودبي وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة. وكانت الشارقة تقع أيضا على امتداد هذا الساحل، على الرغم من أن جزءا منها يجاور الإمارة السابعة وهي الفجيرة على خليج عمان.
قبل قرن من الزمان كان البحارة الأوروبيون والآسيويون على السواء ينأون عن هذا الساحل ، فقد كان أبناء المنطقة من البحارة يخرجون في جرأة على متن السفن التقليدية العربية ذات الغاطس المحدود، ويتصدون للسفن التي تجرؤ على التعرض لسيادة المنطقة، وكانوا يمضون في رحلاتهم وصولا إلى بحر العرب والبحر الأحمر.
وقد قامت حكومة بومباي في إطار ما وصفته بسعيها لحماية مصالح شركة الهند الشرقية الموقرة، التي عانت من نصف قرن تقريبا من الخسائر- قامت بمهاجمة المعاقل التي يتحصن بها هؤلاء البحارة العرب، وفي النهاية تم توقيع معاهدات سلام مع الشيوخ الرئيسيين في المنطقة.
وفي نهاية المطاف، وعلى وجه التحديد في عام 1853 ، جاءت معاهدة السلام الدائم مع بريطانيا العظمى، التي كانت لا تزال سارية في منتصف القرن العشرين. وهكذا أصبح الخليج حسب الرؤية البريطانية مكانا آمنا للملاحة، وانطلاقا من هذا الصلح، أصبحت المشيخات تعرف باسم الساحل المتصالح.
أسواق لم يغيرها الزمن
تعد مدينة دبي التي بلغ عدد سكانها في منتصف القرن العشرين حوالي 15 ألف نسمة، الميناء التجاري الرئيسي في الساحل المتصالح، وأسواقها المزدحمة والمتنوعة، وهي الأكبر على امتداد الساحل- تعد المركز الذي يستقطب البدو جميعا ممن تحملهم الإبل إليها.
كانت النزهات التي استمتعت بها أكثر من غيرها على امتداد أسواق دبي هي نزهات بصحبة البدو خلال رحلاتهم النادرة إلى المدينة، وكان من هؤلاء البدو مبارك، الذي وصل إلى دبي بعد أن قطع مسافة 200 ميل على ظهر راحلته قادما من منطقة رملية قاحلة تقطنها قبيلته، وبعد أن عقل ناقته، ويمكن للعقال الذي يستخدمه العربي أن يكون مفيدا في هذا الصدد، توقف ليشرب القهوة معي، ولكنه كان نافذ الصبر، فالحوانيت تغلق أبوابها بعد صلاة العشاء، ولم يكن هناك وقت ليهدره.
ترك مبارك بندقيته ، ولكنه كان لا يزال يحتفظ بحزام ذخيرته وبخنجره، وهو الخنجر المعقوف الذي يعد بمثابة الساحل التقليدي الشائع في الساحل المتصالح، ومضى في السير بجواري تحت سعف النخيل الذي يظلل شوارع الأسواق الضيقة.
لم تتغير أسواق دبي المزدحمة كثيرا على مر القرون، فالعرب والإيرانيون والبلوش والزنوج والباكستانيون والهنود يجلسون في مداخل الحوانيت الصغيرة المفتوحة أمام بالات ملونة من الملابس التي تساوي ألوف الروبيات، ويجلس تجار آخرون في الخلاء من دون أن تكون أمامهم إلا بضائع محدودة معروضة على الأرض أمامهم.
وكل بضعة أمتار كان مبارك يلتقي بدويا من معارفه، فيتبادلان التحية بتماس الأنوف، بدءا باليسار ثم اليمين، ثم اليسار مجددا. وعند أحد المنعطفات انتحى أحد معارف مبارك به جانبا، ورأيت مبارك يعطيه حفنة من دولارات ماريا تريزا.
قال مبارك متأملا: " ما الذي يمكن أن تقوم عليه الحياة في الصحراء إذا لم يساعد أحد أبناء القبيلة شخصا آخر من أبنائها؟ من الجرم ألا يساعد المرء أخيه.
توقف مبارك عند أحد حانوت تصدر عنه روائح زكية، ومضى يمرر أصابعه عبر الحبوب والبهارات ، وراح يتشمم حبات البن ويمضغ حبوب الأرز، ويستفسر عن الأسعار الحالية.
استشعر مبارك الدهشة والانجذاب لمرأى الملابس والمربيات وأدوات الطهي المتألقة، بحيث أنني اضطررت إلى الإسراع بجولتنا في السوق خوفا من أن ينفق ماله كله فيه، ولكن عندئذ وصلنا إلى متجر السلاح، وهناك لم يكن هناك مجال للتعجب.
جلس صاحب الحانوت البلوشي في الجزء الداخلي المعتم من حانوته، وهو يعيد ملء علب الخراطيش هذه المنتجات معرفة جيدة، فذخيرته تنطلق محدثة دويا مخيبا للآمال، والطلقة يتبعها دفق من الشرر.
ولكن مبارك كان قد رصد بندقية أعجبته، فمضى للحصول على بندقيته القديمة، وفي وقت لاحق قال لي إنه قد باع أحد جماله ليدفع مقابل ما اشتراه.
في عام 1952 أقبلت زوجتي من إنجلترا للإقامة معي في دبي، وللمرة الأولى بدأت داري في تلقي زيارات من سيدات المجتمع المحلي.
درجت نساء الساحل المتصالح، مع استثناءات قليلة للغاية على تغطية وجوههن بالبراقع وتتخذ الملابس النسائية الخارجي وغطاء رأس من قماش حالك السواد، ويرتدين تحته ملابسهن الملونة ويضعن حليهن.
وبغض النظر عن مناسبة أو مناسبتين لهما خصوصيتهما، فقد كنت أنفى إلى غرفة أخرى كلما أقبلت السيدات لزيارة زوجتي، غير أنه كانت هناك أوقات كنا نستمتع بها سويا عندما كان فصل لحفظ القرآن الكريم يضم 20 صبية يقوم بزيارتنا مع معلماتهن.
وقد أدى حجب الزوجات عن الأنظار إلى بروز فئة من الراقصات المحترفات اللاتي يشاركن في المناسبات والاحتفالات، وهن يجلبن لمسة من الحياة إلى الكثير من الحفلات ، حيث يرتدين ملابس متألقة ويضعن حليا مبهرة، ولكنهن يتشبثن بالبرقع التقليدي. يمكن القول بصفة عامة إن نساء الصحراء يتمتعن بشخصية أقوى من نظيراتهن في المدن.
فالحياة في الصحراء أبعد ما تكون عن السهولة واليسر، ونساء البادية هن نساء قديرات، وقد سمعت عن حالات قامت فيها المرأة بصحبة صديقتها بالتنحي عن قافلة كانتا فيها، ثم وضعت وليدها وعادتا من جديد لتلحقا بركب القافلة.
وحياة نساء البادية أقل صرامة في قيودها وضوابطها من حياة أخواتهن في المدينة، فهن يختلطن بالأقارب من الرجال، ويستمتعن بنيران المخيم بصحبتهم، وهن يقمن برعاية الماعز والإبل ويتمتعن بمعرفة غزيرة في الكثير من الأمور كالرجال.
الهيل وقهوة البادية
كرم الضيافة شيء يضرب به المثل في هذا الجزء من العالم، وفقر الكثيرين من أبناء قبائل الساحل المتصالح لم يقلل من هذه الشيمة الكريمة لديهم، وكان البدو المتواضعون في كل الأحوال يبادرون إلى تقديم وعاء من حليب النوق لي على الرغم من أنه كان كل ما بحوزتهم. وفي أحيان كثيرة أقيمت لي مآدب في قلاع الحكام الذين كان أتباعهم يتنافسون في تجهيز الولائم.
يعد عشق العربي للقهوة عشقا أسطوريا، والقهوة كما تشرب في الساحل المتصالح ومعظم شبه الجزيرة العربية هي قهوة مرة المذاق سوداء اللون، وغالبا ما يضاف إليها الهيل، وتقدم في فناجين صغيرة.
"قهوة" هكذا كان يصيح المضيف، وفي التو يظهر فتى حاملا دلة القهوة بيده اليسرى وفنجانين أو ثلاثة بيده الأخرى. ويصب بضع قطرات من القهوة في أسفل الفنجان، ولكن الضيف عادة يعتذر عن شربها، ويشير للفتى نحو المضيف الذي بدوره يشير إلى بما يفيد تقديمها للضيف، ويستمر هذا إلى أن يقبل الضيف في النهاية القهوة ويمسك الفنجان بيده اليمنى، وبعد الملء المعتاد للفنجان ثلاث مرات يهز الضيف الفنجان الفارغ ليشير إلى أنه قد شرب كفايته. والأجانب الذين لا يعرفون هذه العادة يجدون أنفسهم في بعض الأحيان عاجزين عن وقف تدفق القهوة إليهم. ولكن هذا ليس إلا شيئا بسيطا مقارنة بالولائم التي يقيمها حكام المشيخات.
عندما يتم إعداد الوليمة يقوم فتى بفرش قماش أبيض على سجاجيد شرقية ويعقب ذلك موكب من الرجال يحمل كل منهم طبقا يوجهه الحاكم إلى موضع معين. والمشهد الأكثر تأثيرا في النفس هو مشهد الصواني التي يصلب قطرها إلى خمسة أقدام، والتي يتكوم عليها الرز، وفوقه الماعز أو الأغنام المطهية وفي بعض الأحيان تقدم القعود وربما يكون هناك قرابة 100 طبق جانبي: لحم مسلوق في المرق، دجاجات بكاملها، والحلوى والتمر الذي يتحتم تقديمه.
وفي بعض الأحيان يملي العرف أن يصبح الضيف الرئيس هو المضيف، ولا بد له أن يدعو المضيف الحقيقي لتناول الطعام معه، ويقوم الضيف بتناول الطعام بيده اليمنى وحدها إلى أن يشعر بالشبع ويتجاذب أطراف الحديث مع مضيفه بصورة ودية.
"الحمد لله". يقولها الضيف ، حيث أنه ليس من المعتاد تقديم الشكر للمضيف بشكل شخصي.
يقوم الكثير من العرب بتضخيم تبغ يزرع محليا فيما يعرف باسم المدواخ، والذي لا يسمح إلا بسحبة أو سحبتين فقط. وفي بعض الأحيان وبعد تناول وجبة يقوم الجمع الجالس بالتدخين من مدواخ واحد. وفي إحدى المناسبات وقعت في هذه الدائرة دون أن أدري. حيث أخذ غليوني مني، وتم تمريره ليستمتع الجميع بالتدخين باستخدامه.
عندما يظهر الضيف مؤشرات رغبته في الانصراف ، أو عندما يؤشر المضيف في أن وقت الانصراف قد حان، يتم إحضار ماء الورد جنبا إلى جنب مع مبخرة صغيرة يشتعل فيها البخور و الرائحة الذكية، ويقوم العرب بتحريك الدخان العبق تحت ذقونهم وغترتهم، ويمسكون بالمبخرة تحت عباءاتهم.
ولكن الولائم والتسلية أبعد ما تكونان عن تشكيل السمتين الوحيدتين في حياة العربي، عندما يحل شهر رمضان المبارك لا يتم الالتزام بضوابطه ونواهيه في أي مكان على نحو أكثر دقة مما يتم الإلتزام به في الساحل المتصالح. فمنذ اللحظة التي بين الخيط الأبيض من الخيط الأسود فيها، يتعين على المسلمين الصيام عن الأكل والشرب حتى غروب الشمس.
محمل لدى وصوله عائدا من موسم الغوص إلى خور دبي
من بين كل الأماكن الواقعة إلى شرقي السويس، فإن عددا محدودا للغاية من المناطق يفوق الساحل المتصالح في المحدودية البالغة لما يعرفه الغربيون عنها. فهذه المنطقة الواقعة بين الربع الخالي وساحل الخليج كان يشار إليها حتى في خرائط الجمعية الوطنية الجغرافية البريطانية باعتبارها " ذات سواحل غير محددة السيادة".
غير أن قرب الساحل المتصالح من البحرين وغيرها من المراكز النفطية العظيمة في الشرق الأدنى، يجعلها جائزة رفيعة الشأن في السجال الدائر في منتصف القرن العشرين بين الشرق والغرب. وكل معلومة صغيرة عن هذه المشيخات المعتدة بنفسها، كان يجري السعي للوصول إليها بمزيد من الحرص. وقد أتاحت لي السنوات الست التي أمضيتها في العمل هناك منذ عام 1948 ، الفرصة لدراسة جغرافيتها ومعرفة ناسها على نحو لم يقدر إلا لعدد محدود للغاية من الغربيين أن يظفروا به.
من داري الواقعة في دبي كان بمقدوري أن أشاهد سفن البوم ذات الأشرعة المثلثة وهي تنطلق مبتعدة عن الخور الضحل قاصدة مرافئ بعيدة تمتد حتى زنجبار ، وتحت شرفتي كانت تتناهى إلى مسامعي الجعجعة الصادرة من الإبل التي تركها أصحابها هناك بعد أن عقلوها، وهم من أبناء القبائل القادمين من البحار الرملية الممتدة بلا انتهاء إلى شبه الجزيرة العربية ليتسوقوا في الأسواق المزدحمة.
وفي مستهل الصيف كنت أصغي لنهمات أطقم البحارة وهم يجدفون خارجين بسفنهم من الخور لبدء موسم جديد من مواسم الغوص على اللؤلؤ. وفي كل خريف وعندما كانت أسراب طيور الحبارى التي يصل حجم الواحد منها إلى ما يعادل حجم الديك الرومي تقبل إلى الصحراء ، كان الصقارة يطلون من جديد، ويمضون في المدينة وقد جثمت الصقور على مناقلها.
كان عالما غريبا، ومع ذلك، فقد أحسست بالود الشديد نحو أبناء هذا الركن القاحل والمرير من شبه الجزيرة العربية، بقدر ما ربطني الود بأي شيء أعرفه.
الساحل المتصالح
لم يكن عدد سكان مشيخات الساحل المتصالح يتجاوز 80 ألف نسمة ، وكانت خمس من هذه المشيخات تواجه الشمال عبر الخليج، وهي أبو ظبي ودبي وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة. وكانت الشارقة تقع أيضا على امتداد هذا الساحل، على الرغم من أن جزءا منها يجاور الإمارة السابعة وهي الفجيرة على خليج عمان.
قبل قرن من الزمان كان البحارة الأوروبيون والآسيويون على السواء ينأون عن هذا الساحل ، فقد كان أبناء المنطقة من البحارة يخرجون في جرأة على متن السفن التقليدية العربية ذات الغاطس المحدود، ويتصدون للسفن التي تجرؤ على التعرض لسيادة المنطقة، وكانوا يمضون في رحلاتهم وصولا إلى بحر العرب والبحر الأحمر.
وقد قامت حكومة بومباي في إطار ما وصفته بسعيها لحماية مصالح شركة الهند الشرقية الموقرة، التي عانت من نصف قرن تقريبا من الخسائر- قامت بمهاجمة المعاقل التي يتحصن بها هؤلاء البحارة العرب، وفي النهاية تم توقيع معاهدات سلام مع الشيوخ الرئيسيين في المنطقة.
وفي نهاية المطاف، وعلى وجه التحديد في عام 1853 ، جاءت معاهدة السلام الدائم مع بريطانيا العظمى، التي كانت لا تزال سارية في منتصف القرن العشرين. وهكذا أصبح الخليج حسب الرؤية البريطانية مكانا آمنا للملاحة، وانطلاقا من هذا الصلح، أصبحت المشيخات تعرف باسم الساحل المتصالح.
أسواق لم يغيرها الزمن
تعد مدينة دبي التي بلغ عدد سكانها في منتصف القرن العشرين حوالي 15 ألف نسمة، الميناء التجاري الرئيسي في الساحل المتصالح، وأسواقها المزدحمة والمتنوعة، وهي الأكبر على امتداد الساحل- تعد المركز الذي يستقطب البدو جميعا ممن تحملهم الإبل إليها.
كانت النزهات التي استمتعت بها أكثر من غيرها على امتداد أسواق دبي هي نزهات بصحبة البدو خلال رحلاتهم النادرة إلى المدينة، وكان من هؤلاء البدو مبارك، الذي وصل إلى دبي بعد أن قطع مسافة 200 ميل على ظهر راحلته قادما من منطقة رملية قاحلة تقطنها قبيلته، وبعد أن عقل ناقته، ويمكن للعقال الذي يستخدمه العربي أن يكون مفيدا في هذا الصدد، توقف ليشرب القهوة معي، ولكنه كان نافذ الصبر، فالحوانيت تغلق أبوابها بعد صلاة العشاء، ولم يكن هناك وقت ليهدره.
ترك مبارك بندقيته ، ولكنه كان لا يزال يحتفظ بحزام ذخيرته وبخنجره، وهو الخنجر المعقوف الذي يعد بمثابة الساحل التقليدي الشائع في الساحل المتصالح، ومضى في السير بجواري تحت سعف النخيل الذي يظلل شوارع الأسواق الضيقة.
لم تتغير أسواق دبي المزدحمة كثيرا على مر القرون، فالعرب والإيرانيون والبلوش والزنوج والباكستانيون والهنود يجلسون في مداخل الحوانيت الصغيرة المفتوحة أمام بالات ملونة من الملابس التي تساوي ألوف الروبيات، ويجلس تجار آخرون في الخلاء من دون أن تكون أمامهم إلا بضائع محدودة معروضة على الأرض أمامهم.
وكل بضعة أمتار كان مبارك يلتقي بدويا من معارفه، فيتبادلان التحية بتماس الأنوف، بدءا باليسار ثم اليمين، ثم اليسار مجددا. وعند أحد المنعطفات انتحى أحد معارف مبارك به جانبا، ورأيت مبارك يعطيه حفنة من دولارات ماريا تريزا.
قال مبارك متأملا: " ما الذي يمكن أن تقوم عليه الحياة في الصحراء إذا لم يساعد أحد أبناء القبيلة شخصا آخر من أبنائها؟ من الجرم ألا يساعد المرء أخيه.
توقف مبارك عند أحد حانوت تصدر عنه روائح زكية، ومضى يمرر أصابعه عبر الحبوب والبهارات ، وراح يتشمم حبات البن ويمضغ حبوب الأرز، ويستفسر عن الأسعار الحالية.
استشعر مبارك الدهشة والانجذاب لمرأى الملابس والمربيات وأدوات الطهي المتألقة، بحيث أنني اضطررت إلى الإسراع بجولتنا في السوق خوفا من أن ينفق ماله كله فيه، ولكن عندئذ وصلنا إلى متجر السلاح، وهناك لم يكن هناك مجال للتعجب.
جلس صاحب الحانوت البلوشي في الجزء الداخلي المعتم من حانوته، وهو يعيد ملء علب الخراطيش هذه المنتجات معرفة جيدة، فذخيرته تنطلق محدثة دويا مخيبا للآمال، والطلقة يتبعها دفق من الشرر.
ولكن مبارك كان قد رصد بندقية أعجبته، فمضى للحصول على بندقيته القديمة، وفي وقت لاحق قال لي إنه قد باع أحد جماله ليدفع مقابل ما اشتراه.
في عام 1952 أقبلت زوجتي من إنجلترا للإقامة معي في دبي، وللمرة الأولى بدأت داري في تلقي زيارات من سيدات المجتمع المحلي.
درجت نساء الساحل المتصالح، مع استثناءات قليلة للغاية على تغطية وجوههن بالبراقع وتتخذ الملابس النسائية الخارجي وغطاء رأس من قماش حالك السواد، ويرتدين تحته ملابسهن الملونة ويضعن حليهن.
وبغض النظر عن مناسبة أو مناسبتين لهما خصوصيتهما، فقد كنت أنفى إلى غرفة أخرى كلما أقبلت السيدات لزيارة زوجتي، غير أنه كانت هناك أوقات كنا نستمتع بها سويا عندما كان فصل لحفظ القرآن الكريم يضم 20 صبية يقوم بزيارتنا مع معلماتهن.
وقد أدى حجب الزوجات عن الأنظار إلى بروز فئة من الراقصات المحترفات اللاتي يشاركن في المناسبات والاحتفالات، وهن يجلبن لمسة من الحياة إلى الكثير من الحفلات ، حيث يرتدين ملابس متألقة ويضعن حليا مبهرة، ولكنهن يتشبثن بالبرقع التقليدي. يمكن القول بصفة عامة إن نساء الصحراء يتمتعن بشخصية أقوى من نظيراتهن في المدن.
فالحياة في الصحراء أبعد ما تكون عن السهولة واليسر، ونساء البادية هن نساء قديرات، وقد سمعت عن حالات قامت فيها المرأة بصحبة صديقتها بالتنحي عن قافلة كانتا فيها، ثم وضعت وليدها وعادتا من جديد لتلحقا بركب القافلة.
وحياة نساء البادية أقل صرامة في قيودها وضوابطها من حياة أخواتهن في المدينة، فهن يختلطن بالأقارب من الرجال، ويستمتعن بنيران المخيم بصحبتهم، وهن يقمن برعاية الماعز والإبل ويتمتعن بمعرفة غزيرة في الكثير من الأمور كالرجال.
الهيل وقهوة البادية
كرم الضيافة شيء يضرب به المثل في هذا الجزء من العالم، وفقر الكثيرين من أبناء قبائل الساحل المتصالح لم يقلل من هذه الشيمة الكريمة لديهم، وكان البدو المتواضعون في كل الأحوال يبادرون إلى تقديم وعاء من حليب النوق لي على الرغم من أنه كان كل ما بحوزتهم. وفي أحيان كثيرة أقيمت لي مآدب في قلاع الحكام الذين كان أتباعهم يتنافسون في تجهيز الولائم.
يعد عشق العربي للقهوة عشقا أسطوريا، والقهوة كما تشرب في الساحل المتصالح ومعظم شبه الجزيرة العربية هي قهوة مرة المذاق سوداء اللون، وغالبا ما يضاف إليها الهيل، وتقدم في فناجين صغيرة.
"قهوة" هكذا كان يصيح المضيف، وفي التو يظهر فتى حاملا دلة القهوة بيده اليسرى وفنجانين أو ثلاثة بيده الأخرى. ويصب بضع قطرات من القهوة في أسفل الفنجان، ولكن الضيف عادة يعتذر عن شربها، ويشير للفتى نحو المضيف الذي بدوره يشير إلى بما يفيد تقديمها للضيف، ويستمر هذا إلى أن يقبل الضيف في النهاية القهوة ويمسك الفنجان بيده اليمنى.
وبعد الملء المعتاد للفنجان ثلاث مرات يهز الضيف الفنجان الفارغ ليشير إلى أنه قد شرب كفايته. والأجانب الذين لا يعرفون هذه العادة يجدون أنفسهم في بعض الأحيان عاجزين عن وقف تدفق القهوة إليهم. ولكن هذا ليس إلا شيئا بسيطا مقارنة بالولائم التي يقيمها حكام المشيخات. عندما يتم إعداد الوليمة يقوم فتى بفرش قماش أبيض على سجاجيد شرقية ويعقب ذلك موكب من الرجال يحمل كل منهم طبقا يوجهه الحاكم إلى موضع معين.
والمشهد الأكثر تأثيرا في النفس هو مشهد الصواني التي يصلب قطرها إلى خمسة أقدام، والتي يتكوم عليها الرز، وفوقه الماعز أو الأغنام المطهية وفي بعض الأحيان تقدم القعود وربما يكون هناك قرابة 100 طبق جانبي: لحم مسلوق في المرق، دجاجات بكاملها، والحلوى والتمر الذي يتحتم تقديمه.
وفي بعض الأحيان يملي العرف أن يصبح الضيف الرئيس هو المضيف، ولا بد له أن يدعو المضيف الحقيقي لتناول الطعام معه، ويقوم الضيف بتناول الطعام بيده اليمنى وحدها إلى أن يشعر بالشبع ويتجاذب أطراف الحديث مع مضيفه بصورة ودية.
"الحمد لله". يقولها الضيف ، حيث أنه ليس من المعتاد تقديم الشكر للمضيف بشكل شخصي.
يقوم الكثير من العرب بتضخيم تبغ يزرع محليا فيما يعرف باسم المدواخ، والذي لا يسمح إلا بسحبة أو سحبتين فقط. وفي بعض الأحيان وبعد تناول وجبة يقوم الجمع الجالس بالتدخين من مدواخ واحد. وفي إحدى المناسبات وقعت في هذه الدائرة دون أن أدري. حيث أخذ غليوني مني، وتم تمريره ليستمتع الجميع بالتدخين باستخدامه.
عندما يظهر الضيف مؤشرات رغبته في الانصراف ، أو عندما يؤشر المضيف في أن وقت الانصراف قد حان، يتم إحضار ماء الورد جنبا إلى جنب مع مبخرة صغيرة يشتعل فيها البخور و الرائحة الذكية، ويقوم العرب بتحريك الدخان العبق تحت ذقونهم وغترتهم، ويمسكون بالمبخرة تحت عباءاتهم.
ولكن الولائم والتسلية أبعد ما تكونان عن تشكيل السمتين الوحيدتين في حياة العربي، عندما يحل شهر رمضان المبارك لا يتم الالتزام بضوابطه ونواهيه في أي مكان على نحو أكثر دقة مما يتم الإلتزام به في الساحل المتصالح. فمنذ اللحظة التي بين الخيط الأبيض من الخيط الأسود فيها، يتعين على المسلمين الصيام عن الأكل والشرب حتى غروب الشمس.
رحالة مبدع
ولد رونالد كودراي في جبال الهيمالايا الهندية خلال يونيو 1924، وعمل في القوات الجوية الملكية خلال الحرب العالمية الثانية، وانضم فيما بعد لشركة نفطية وانتقل للعمل فيما كان يُعرف بـ "الإمارات المتصالحة" التي هي الآن دولة الإمارات العربية المتحدة.
حيث عاش وعمل من 1948 إلى 1955، لكنه كان كثيرا ما يتردد على الإمارات في فترات لاحقة. وبينما كان يعمل في الإمارات المتصالحة، ظل كودراي يتابع هوايته في التصوير الفوتوغرافي، والتقط صورا واقعية لكل نواحي الحياة اليومية في ذلك الحين، فضلا عن تصويره جميع حكام الإمارات السبع في تلك الحقبة. توفي رونالد كودراي في مايو 2000 وترك وراءه مجموعة متألقة من الصور النادرة التي أبرزها في سلسلة كتب "الألبوم العربي" التي لم يمهله الموت لاستكمالها لتضم صوره النادرة ومقتطفات من اليوميات التي كان يواظب على كتابتها طول فترة عمله في الإمارات.
نص نادر يعيد للأجيال الشابة كنوزا من الصور والذكريات
طالعت مجلة "ناشيونال جيوغرافي" في عددها الصادر في يوليو 1956 قراءها بما يمكن أن نصفه بأنه كنز حقيقي من الحقائق والمعلومات والتصورات والذكريات التي تدور حول ما كان يعرف آنذاك باسم مشيخات الساحل المتصالح، وقد حرص كودراي كعادته على أن يجعل هذه الإطلالة النادرة مصحوبة بفيض مدهش من الصور التي التقطها بنفسه وقام بتحميضها في ظروف بالغة الصعوبة.
حيث نلمح دفقا يبدأ ثم لا ينتهي من الملامح والمشاهد والذكريات والأماكن التي اختفى بعضها ولم يعد له وجود إلا في حنايا مثل هذا الكنز النادر. وأول ما نلاحظه في هذه المادة أن كودراي يتعامل بعيني المحب مع هذا العالم الغريب والمدهش الذي يصفه.
وهو يحرص على أن يقدم لنا تفاصيل مدهشة ربما لا يتوقف عندها الكثيرون لأنه في كل ما يقدمه بالكلمة والصورة يتزود بما يتسلح به الرحالة عادة من حرص على المعرفة، وفضول وسعي حريص على الرحيل نحو جوهر الأشياء. وعلى الرغم من أن كودراي لا يفتقر إلى أدوات الباحث والمدقق ، إلا أنه على النقيض من الباحثين الاختصاصيين تخلو كتاباته من المصطلحات الغريبة وغير المألوفة، بحيث يتحول ما يكتبه ويقدمه إلى حوار بسيط وسلس كأنما يدور في جلسة حميمة بين صديقين. بالطبع لا بد لنا أن نلمح خور دبي في قلب هذه الذكريات، وأن نتابع السفن التقليدية.
وهي تمخر راحلة بعيدا حتى إفريقيا والهند، وفي غضون ذلك لا تفوتنا ضجة الأسواق وما تحفل به من حوار ومناقشات. وتثير ملامح حياة البادية فضول كودراي الذي ارتحل طويلا في أرجاء الساحل المتصالح، فنراه يقطع حديثه ليتحدث عن القهوة العربية حينا، وعن الصيد بالصقور حينا آخر، وعن جلسات الصوفية حينا ثالثا. ويتناول الجمال باعتبارها شيئا جعل الحياة في الصحراء ممكنة، ولن تغيب عن هذه الذكريات بالطبع حكايات لا تنتهي عن الغوص والحياة في البادية والسفر في البحر والمعاناة في مواجهة مخاطره، والسعادة والرضا بالرزق الذي قسم تحت آفاقه، حتى ولو كان نذرا يسيرا.




