مع الأجواء الروحانية التي يتميز بها شهر رمضان المبارك تحلو سهرات السمر والإبداع، تسمو الروح، ويستجلي المبدعون ذكرياتهم ويبلورون رؤاهم ويستحضرون صورا تشع إبداعًا، وربما يتحررون من قيودهم الرسمية ويعيشون لحظات سمر بلا حدود..
وعبر هذه السطور نعيش في "سمر وسهر" مع الروائي يوسف القعيد، متحدثًا عن سهراته الرمضانية، وطبيعة من يلتقي بهم وما يطرحونه من موضوعات ويتناولونه من أحاديث. يقول القعيد: ما أجمل ليالي رمضان - ليس للمثقفين والمبدعين فقط بل للمسلمين جميعًا، حيث الكل سهران، على المقاهي أو المساجد أو الشوارع أو في المنازل، كل حسب توجهاته..
اماكن مختلفة
وحول المكان المفضل لسهراته ولقاءاته الرمضانية، أضاف القعيد: منذ وفاة نجيب محفوظ حتى الآن ليس لي ندوات ثقافية ثابتة بالمعنى القديم، ربما هناك أماكن، ومنتديات كثيرة، وصالونات كثيرة أتواجد بها، ولكن ليس لها تواجد مستمر؛ هناك صالون شهري أحضره باتنظام هو صالون الدكتور أحمد العزبي، الصيدلي الشهير، ولكنه أقرب إلى الطابع السياسي، يتواجد فيه الشاعر سيد حجاب، والإعلامي حسين عبد الغني، والإعلامي عادل حمودة؛ وتكون المناقشة حول الشأن العام والأحداث العامة وليس الأدب والثقافة فقط.
وهناك أيضًا صالون اللواء محمد يوسف وهو أيضًا أقرب للسياسة منه إلى الصالون الأدبي الثقافي بمعناه المعروف.
وعلى الرغم من أهمية هذه اللقاءات وما تحققه من تواصل بين القعيد وغيره من المثقفين والإعلاميين، إلا أنه يقول: مازلت أذكر إلى الآن أديب نوبل نجيب محفوظ ، وكيف كنا نلتقي معه في مركب على النيل يومًا في الأسبوع، وفي رمضان كنا نلتقي بعد الإفطار، وكنا نفطر أحيانًا في هذا المركب، مناقشاتنا كانت حول القضايا العادية، بالإضافة إلى الحديث حول رمضان في أعمالنا الأدبية، فكثير من روايات نجيب محفوظ تدور بعض أحداثها في رمضان، على رأسها خان الخليلي، فأول فصول الرواية تدور في رمضان عندما تنتقل عائلة أحمد عاكف من السكن في العباسية إلى السكن في خان الخليلي، وفي آخر فصل في رمضان أيضاً يتركون خان الخليلي ويذهبون إلى مكان آخر، وهكذا كان رمضان في أعمالنا الأدبية محورًا للحديث.
ولكن الواقع أيضًا أن رمضان تراجع في الأعمال الأدبية، ربما لأنه تحوّل إلى طقس ديني أكثر منه طقس اجتماعي في حياة الناس.
حضور ملتزم
يضيف القعيد: في لقاءاتي المنتظمة مع نجيب محفوظ يوم الثلاثاء كان يحضر معنا بشكل ثابت الروائي جمال الغيطاني، والمهندس عماد العبودي، وحسن ناصر، والأديب والروائي نعيم صابر؛ بينما كان هناك الكثير من العابرين يمرون من وقت لآخر، منهم الفيلسوف الفرنسي -الذي توفي منذ أيام قليلة- "روجيه غارودي" أتى به سعد الدين وهبة ليلتقي بمحفوظ، واستمر اللقاء لخمس عشرة دقيقة، كان برفقته زوجته الجزائرية سلمى الفاروقي؛ ودار حواره مع نجيب محفوظ حول قضايا إسلامية، حيث كان غارودي قد أشهر إسلامه حديثًا، وذكر أن السعوديين ينوون تأليف كتاب عنه كمسلم، ومسلسل عن حياته وعن إشهار إسلامه، ولكن هذه المشروعات لم تنفذ.
وأتذكر أيضًا أن حضر إدوارد سعيد وتحدث إلى محفوظ عن رداءة ترجمة أعماله إلى اللغة الإنجليزية بمعرفة الجامعة الأمريكية، وقال له إن معظم أعماله مترجمة بشكل غير جيد، ولكن محفوظ لم يتحقق من هذا في حياته.
يواصل القعيد: بعد وفاة نجيب محفوظ فكرنا في أن نستمر في عقد اللقاءات بدونه، ولكن انتابني شعور بأن الأمر أشبه بـ"تحضير الأرواح" فلم أذهب، ولكن باقي الرفاق ذهبوا مرة أو مرتين ولم يستمروا.
وحول أكثر ما يتذكره بخصوص شهر رمضان، قال القعيد: هو رمضان الذي صادف أكتوبر 1973، وقتها كنت في القوات المسلحة، وكنتُ قد خرجت من الجيش في إجازة كنوع من التمويه يوم 4 أكتوبر المصادف 8 رمضان، وعدت ثانيةً إلى الحرب يوم 7 أكتوبر المصادف 11 رمضان، وهذا مسجَّل في روايتي "في الأسبوع سبعة أيام".




