على الرغم من ما عانته وتعانيه العائلة العراقية من متاعب وعوز، منذ أعوام عدة، إلا أنها حريصة على الاحتفاء بشهر رمضان، وبتوسيع مائدة الطعام، وزيادة عدد وأنواع أطباقها، حتى لو اختارت ابسطها، لكن الزوجين الجديدين عامر وكريمة، اتفقا على أن تكون مائدة رمضان اكثر من عادية، وبشكل لا يختلف عن أيامهما الاعتيادية، فالزوج عامر فرج يقول انه لا يحب الإسراف، لأن الدين نهى عنه، وهناك الكثيرون ممن لا يمتلكون كسرة خبز، وينتقد التدفق غير الطبيعي للناس على المحال والأسواق قبل وخلال شهر رمضان، وكأنهم "يخشون حدوث مجاعة"، مع أن جميع المواد الغذائية متوفرة، وبكثرة، ودون الحاجة إلى تخزينها والإكثار منها. فشهية الصائمين للطعام تتناقص مع مرور أيام الصيام، ولا يوجد داعٍ للإكثار من أصناف الوجبات إلا في حالة وجود ضيوف، وهذا ليس بخلا، بل هو حرص على عدم رمي الكميات التي تزيد عن الحاجة.
أما زوجته كريمة جاسم، فهي تحاول الإمساك بالعصا من الوسط، فتقول إن مائدة رمضان لا يمكن أن تكون عادية، لأن الصائمين ينتظرون هذا الشهر الكريم بفارغ الصبر، للاستمتاع بمأكولاته الشهية، وعليه لابد أن تحظى المائدة بأصناف متنوعة تشبع العين والمعدة معا. لكن ذلك لا يعني، حسب رأيها، أن تعد الزوجة كميات كبيرة من الطعام، فأفراد الأسرة يعتقدون أنهم سيأكلون كل ما يطلبونه، في حين أن شهيتهم تخف تدريجيا بعد دقائق قليلة من الإفطار.. ولاعتياد الصائمين على تناول أطعمة طازجة يوميا، فإن الأطعمة البائتة تأخذ طريقها حتما إلى سلة المهملات، وهذا نوع من التبذير دون شك.
ويشكو أكرم غازي من حالته المادية المتواضعة التي تجبره أحيانا على عدم الاحتفاء بشهر رمضان كما يجب، فهو يسكن في منطقة لم تتسلم مفردات "الحصة التموينية" كاملة منذ أشهر، ما يدفعه إلى شراء كل ما ينقصه منها بكميات تكفي للشهر الكريم، أما بالنسبة للحوم فلا يمكنه توفيرها كوجبة رئيسية على المائدة، سواء كانت حمراء أو بيضاء، لارتفاع أسعارها، وكبر عدد افراد عائلته، وذلك يقف حائلا من إطعامهم اللحم يوميا، والاكتفاء بأبسط أنواع المأكولات واقلها ثمنا. ولهذا يرى نداءات تعذبه في أعين افراد عائلته، فهم يرون معروضات السوق التي تثير شهيتهم، ويتمنون شراءها، لكنهم مجبرون على الاقتصاد في الإنفاق.
رمضان للعبادة
تختلف السيدة أم هيثم مع أكرم، في الفكرة، لأنها تعدّ الشهر مخصصا للعبادة، وليس التفكير في الطعام، إذ لابد أن يعوّد الصائم نفسه على القناعة. فأغلب الناس يواجهون ظروفا صعبة بسبب قلة فرص العمل وتأثير الظروف السياسية على التحاق الناس بأعمالهم، إضافة إلى ارتفاع أسعار كل شيء، ابتداء من الوقود، وحتى الخبز والفواكه والخضروات.
ويشير فائز الحمداني إلى أن إنفاقه في رمضان يزداد، ليس بسبب شراء الطعام فقط، بل لتوزيع الصدقات على الفقراء والمحتاجين، ويقول انه وضع نظاما يلتزم به أولاده الذين انفصلوا عن المنزل في مساكن مستقلة. وأنا معتاد على إطعام صائم أو أكثر يوميا من إفطاري، وخاصة من أقربائي الفقراء، وإذا لم أجد من يطعمه فهو يرسل طبقاً من إفطاره إلى الجامع القريب من بيته، كما يفعل اغلب الجيران، ليجد الفقراء إفطارا متنوع الأطباق، يشبع رغبتهم في تناول طعام جيد كسواهم من الناس.
حلويات متنوعة
أما عن أهم الأكلات التي يفضل الصائمون العراقيون توافرها في وجبة الإفطار، فيقول خالد غني انه يفضل تناول الحساء قبل كل شيء، فهو يعوض الجسم عما يفقده من سوائل وحرارة، ولأن الجو لايزال حارا جدا، فأفضل ما يتناوله الصائم هو العصائر واللبن، لأن الجوع الحقيقي يبدأ لدى الصائم بعد ساعات من الإفطار، فيعاود البحث في القدور عن أكلات تشبع العين والمعدة. وتقول سلوى محمد إنها تحب الحلويات في رمضان، وتصر على تناولها غالبا خلال فترة عرض المسلسلات الرمضانية التي تستمتع بها، فهي لا تتخيل الشهر بلا حلويات، حتى لو زاد ذلك من وزنها.
وترى حنان الجابري أن لإعداد المائدة دورا كبيرا في إشباع الصائمين، فإعدادها بشكل جيد وتجميلها وزيادة عدد أطباق المقبلات والسلطات تؤدي إلى "إشباع عين الصائم"، بينما يمكن الاقتصاد في كمية الأطعمة، والإفراط في تجميلها وتوزيعها بشكل متناسق على المائدة، فذلك يجنب الصائمين تناول الطعام بشراهة، ويوفر لهم كل ما يحتاجونه من مواد غذائية.
وتبقى لرمضان نكهة خاصة ومذاق خاص، مهما ضاقت سبل العيش وتعقّدت الظروف، وتزداد لذة الشهر الكريم حين يعيشه المرء مع عائلته وأهله وجيرانه، حيث تتوفر البركة حتى في الطعـام القليـل.


