»علينا أن نتوقف قليلاً قبل أن نلقي بأنفسنا في زحام أنشطتنا اليومية المحمومة لأن ذلك يسمح لنا بتأمل أولوياتنا«.
القانون والفاكهة
كانت الفاكهة نادرة في الصحراء، فاستدعى أحد الحكماء مبعوثا وقال له: "يمكن لكل شخص أن يـأكل ثمرة فاكهة واحدة كل يوم". وأطاعت أجيالاً من سكان الصحراء هذا التوجيه، وبالتالي تم الحفاظ على البيئة. ومع تعدد منظور الفاكهة الباقية، نبتت أشجار جديدة، وتحولت المنطقة بكاملها إلى أرض خصبة تحسدها المناطق الأخرى على خصبها.
غير أن أهل المنطقة واصلوا أكل ثمرة فاكهة واحدة يوميا، ملتزمين بالتوجيه الذي حمله مبعوث من أحد الحكماء إلى أسلافهم، وبالإضافة إلى ذلك لم يسمحوا للناس القادمين من الكرة الأخرى بأن يحصلوا على جانب من الوفرة التي تشهدها منطقتهم كل عام.
وكانت النتيجة المترتبة على ذلك هي نتيجة واحدة لا غيرها، حيث تعفنت الفاكهة المتساقطة على الأرض.
استدعى الحكيم العجوز مبعوثا آخر وقال له: "دعهم يأكلون كل ما يشتهون من الفاكهة، واطلب منهم أن يشاركوا جيرانهم في الوفرة التي ينعمون بها".
وصل المبعوث إلى المنطقة حاملا الرسالة الجديدة، ولكن الأمر انتهى به إلى أن يطرد شر طردة، ذلك أن العادة القديمة كانت قد تغلغلت في قلوب أبناء المنطقة وعقولهم.
مع مرور الوقت بدأ شباب المنطقة في وضع هذه العادة الهمجية موضع تساؤل، ولكن تقاليد الأسلاف ظلت عصية على التغيير، فقرر الشباب الابتعاد عما أشار به الحكيم العجوز، وبهذه الطريقة أصبح بمقدورهم أن يأكلوا ما طاب لهم من الفاكهة، وأن يعطوا ما بقي منها لم يحتاج إلى الطعام.
وفي قلب المنطقة لم يبق إلا أولئك الذين ينظرون إلى أنفسهم على أنهم رعاة للقديم ولكنهم في حقيقة الأمر كانوا عاجزين على الإدراك أن العالم يتغير، وأنه ينبغي أن نتغير معه.
المحتال والنمور
وصل رجل مدع للحكمة إلى إحدى القرى، وأفزع الجميع بتهديداته بأن شرورا توشك أن تحل بساحتهم، قادمة من الغابة القربية منهم. فانزعج الناس أشد الانزعاج، وجمعوا فيما بينهم مبلغا كبيرا من المال، وأعطوه للرجل لكي يبعد الخطر عنهم.
أحضر الرجل بعض الخبز القديم، وبدأ ينثره حول الغابة ويهمهم ويغمغم بكلمات تستعصي على الفهم، فدنا منه شاب وقال له: " ما الذي تفعله؟"
قال مدعي الحكمة:" إنني أنقذ آباءك وأجدادك وأصدقاءك من تهديدات النمور".
رد الشاب متسائلا: " النمور؟ ولكن ليست هناك نمور في هذه البلاد!".
رد مدعي الحكمة: " بفعل سحر قوتي سأنقذ القرية، إنني أنجح في هذا دوما كما يمكنك أن ترى".
حاول الشاب مجادلته، ولكن القرويين قرروا طرده من المدينة، إذ انه كان يقاطع ذلك الرجل الذي بدا لهم غاية في الحكمة، بل هو الحكمة مجسدة.
تأملات
يقول الراهب البندكتي ستايندل راست: " في الصباح ينبغي أن نتصرف كما لو كنا نوشك على أن نعبر شارعا، فنحن نتوقف وننظر يمنة ويسرة، ثم نمضي قدما".
قبل أن نلقي بأنفسنا في زحام أنشطتنا اليومية المحمومة، فإن علينا أن نتوقف لأن ذلك يسمح لنا بأن نتأمل أولوياتنا، ومواقفنا الممكنة حيال مشكلة ما، والقرارات التي نحتاج إلى اتخاذها.
ثم علينا أن ننظر حولنا، فلا جدوى من الوقوف إذا لم نر ما حولنا. ومن الضروري أن نفهم ذلك باتخاذ قرار، فنحن نتأثر ونؤثر في كل شيء يدور حولنا.
وأخيرا، نحن نمضي قدما فلا معنى لأن ننظر حولنا إذا لم يكن لدينا هدف محدد، وحقيقة التصرف هي ما نبرر به كل شيء، وهي ما يسمح لنا بأن نظهر من خلال عملنا مجد السماء الذي لا حدود له، وهذا هو جوهر كل شيء، ويكفي أن نتصرف بالطريقة ذاتها الني نتبعها عندما نعبر شارعا".