«قرر نصر الدين أن يترك الأمور تمضي في أعنتها لكن تعلم أنه ما من أحد بإمكانه إقناع شخص بخطئه إذا كان الأخير يريد تصديق كذبة ما» قد يبدو الأمر بعيداً كل البعد عن التصديق، لكن كثيراً من الناس يخافون من السعادة، وبالنسبة إلى هؤلاء القوم، فلكي يكونوا سعداء بحياتهم، يترتب عليهم تغيير جملة من عاداتهم وفقدان هويتهم الخاصة.

وفي كثير من الأحيان، نحكم على أنفسنا بأننا لا نستحق الأمور الطيبة التي تحصل لنا، لأن تقبلها يعطينا إحساساً بأننا مدينون للقدر، ناهيك عن خشيتنا من أن "نعتاد" السعادة.

ويذهب تفكيرنا في الاتجاه الآتي: "من الأفضل ألا نختبر شرب كأس الفرح، لأنه حين يغيب عنا، فإننا سنعاني الأمرين". وبالتالي، نمتنع عن النمو والاستزادة، خوفاً من التراجع والنقصان. ونمتنع عن الضحك خشية من البكاء. وفي ما يلي بضع قصص حول هذا الموضوع:

القدوة الحسنة

أراد الناسك زويا اكتشاف الأسرار السماوية، وقرر في سبيل ذلك أن يحذو حذو نبي الله موسى، ويتخذه قدوة له، ومثلاً.

وعلى مدى سنوات، حاول أن يحذو حذو النبي موسى في سلوكه وتصرفاته، من دون القدرة على التوصل إلى النتائج المتوقعة، وفي إحدى الأمسيات، وكان قد أرهق نفسه في الدراسة، غرق في نوم عميق.

تراءى له في الحلم أن ملاكاً جاءه في منامه وسأله: "لماذا تشعر بهذا القدر من الكدر يا ولدي؟".

فأجابه: "ستنتهي أيامي على هذه الأرض، وما أزال بعيداً جداً عن مثال النبي موسى".

وحلم أن الملاك قال له: "في يوم الحساب، لن يسألك الله لماذا لم تسر على خطى النبي موسى، بل: من أنت؟ وما الذي فعلته؟. فحاول أن تكون زويا الطيب".

الحمار ينفق من التعب

قرر نصر الدين خوجة، أن يفتش عن أساليب جديدة في التأمل، فقام بسرج حماره، وذهب إلى الهند والصين ومنغوليا، وتحدث إلى كل كبار المعلمين من دون تحقيق مسعاه.

وسمع عن رجل حكيم في نيبال، فسافر إلى تلك البلاد، وفي طريقه إليها، وفيما هو يتسلق جبلاً لملاقاة ذلك الرجل الحكيم، نفق حماره من التعب. فقام نصر الدين بدفنه في موضعه، وبدأ بالبكاء حزناً عليه. فمر أحد الأشخاص به، وقال له: "كنت تبحث عن شخص حكيم وقد يكون هذا قبره، ومن المؤكد أنك ترثيه الآن".

 فأجاب نصر الدين: "لا، هنا دفنت حماري الذي نفق من التعب". فقال له الرجل: "لا أحد يبكي حماراً نفق. لا بد من أن هذا المكان موقع حدوث المعجزات، وأنت تريد الاحتفاظ بالسر لنفسك".

وعلى الرغم من محاولات نصر الدين إقناعه بخطئه، إلا أنه لم يستطع إلى ذلك سبيلًا، فذهب الرجل إلى القرية المجاورة، ونشر القصة على الملأ حول وجود معلم عظيم يشفي بنعمته، وسرعان ما بدأ الناس في ارتياد المكان.

ورويداً رويداً بدأت الأخبار تنتشر حول اكتشاف "الرجل الحكيم ذي الرثاء الصامت" عبر نيبال، وكانت الوفود تأتي زرافات ووحداناً إلى المكان.

وفي أحد الأيام، توجه رجل ثري إلى المكان، وقام بإنشاء نصب تذكاري مثير للإعجاب في مكان دفن نصر الدين لـ"معلمه"، ظناً أنه سيكافأ على ما قام به.

ولهذا السبب قرر نصر الدين أن يترك الأمور تمضي في أعنتها، لكنه تعلم، في نهاية المطاف، انه ما من أحد بإمكانه إقناع شخص بخطئه إذا كان هذا الشخص يريد تصديق كذبة ما.