ما نعاني منه يومياً ونعجز عن فهمه أو إدراكه جزء من ظروف الإنسان.. التأمل يجعلنا نرى

أشياء لم نلحظها

أو ندركها سابقاً

عايشت صديقة أميركية من الجيل نفسه الذي انتمي إليه، اسمها بالأحرف الأولى «دي إتش»، كل جنون الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ابتداء بالتجاوزات السلوكية وليس انتهاء بالإفراط في الاستماع إلى موسيقى الـ(روك آند رول)، أي كل التجاوزات وأشكال الإفراط التي طبعت ذاك العصر. وعلى الرغم من أنها لا تزال ترتدي ثيابها الخاصة بنزعة الهيبيين، أصبحت اليوم ربة منزل في حالة من السلام مع الحياة، وهي متزوجة منذ سنوات عدة، وأم لأبناء بالغين. وهي، شأن كل من عايش تلك الأوقات، ما زال بإمكانها إدراك أن الأمور الاستثنائية والخارقة للعادة، موجودة في حياة الناس العاديين.

وأخيراً، كانت دي واقفة في الصف، مع عربة مليئة بمواد البقالة، في متجر كبير، تنتظر دورها وراء امرأه تستعد لوضع كومة من البقالة تعادل في الضخامة ما لديها من أغراض، وذلك على الحزام المتحرك أمام الفتاة أمينة صندوق الدفع. كل شيء كان يمر بطيئاً في ذاك اليوم، وكانت الفتاة التي تقف أمام الصندوق تدقق في المواد التي تعود للزبونة من دون استعجال، وبعد أن وضعت دي لوحة شعار «الزبون التالي» على الحزام، وبدأت تفريغ عربتها بهدوء تام، يوازي الهدوء الذي يعم العالم، قامت المرأة التي تقف أمامها بالاستدارة نحوها فجأة، وقد بدا على محياها الانزعاج، وصرخت قائلة:

«هذه الفتاة لا تعرف كيف تقوم بوظيفتها، انظري فقط كم هي بطيئة! لو كنت مكانك لفكرت في الانتقال إلى صف آخر: فقد مضى على وجودي هنا زمن طويل! كان على أصحاب المتجر أن يضعوا إشارة كبيرة تقول: فتاة الصندوق هذه رهن التدريب!». وبدأت تلك المرأة في التذمر بصوت عال كي يتمكن المتجر الكبير كله من سماع مدى فظاعة الخدمة التي كانت تتلقاها. وصرخت: «لقد أمضيت هنا نصف ساعة بكامله!».

أدركت دي أن المرأة كانت على حق، لكن سبق السيف العذل، فكانت وضعت مواد كثيرة من إجمالي أغراض التسوق على الحزام، ولم يكن هناك فائدة ترجى من مشقة إعادتها إلى العربة من جديد. وبما أنها في عجلة من أمرها، بدأت بما درجت عليه في العادة، باستخدام وقت الانتظار في التأمل. وفي تلك اللحظة ادركت أمراً شديد الأهمية، قوامه أنه يمكنها الابتهال والدعاء، حتى وإن كانت تقف في الصف تنتظر دورها في المتجر الكبير. قالت لدي، إنها بدأت بسماع أصوات وعبارات، مثل: «لا تفعلي مثل الآخرين، فهم يصارعون ضد الوقت الذي منحته لنا السماء، ابقي مكانك وتمتعي بالوقت وتفحصي ما يجري حولك، تفرسي في وجوه الناس، وهذه الأمور قلما تقومين بها هذه الأيام، كما في السابق».

وهذا ما قامت به، وبدأت تدريجياً تشعر بارتياح وسرور شديدين، وشعرت بأنها لم تعد تقف في المتجر الكبير، وإنما انغمست في عالم تملؤه الألوان، حيث يتجاذب الناس اطراف الكلام، ويتسوقون ويتفحصون السلع ويناقشون الأمور العابرة، وباختصار، فإن كل ما نعاني منه يومياً ونعجز عن فهمه أو إدراكه يعد بالتحديد جزءاً من ظروف الإنسان. وللمرة الأولى، كانت واعية لذاك المكان، على الرغم من أنها ذهبت للتسوق فيه لسنوات عدة، ولاحظت أشياء لم تلاحظها من قبل.

وشعرت دي، أكثر فأكثر، بالارتياح والفرح. وفي النهاية، قامت المرأة التي كانت تقف أمامها بدفع قيمة الفاتورة، وهي تطلق اللعنات كل الوقت، وعندما وصل دور دي، كانت على أتم الاستعداد للانتظار الطويل، حيث ان الفتاة البائسة المتدربة، كانت خائفة فعلاً من تصرفات الزبونة السابقة. وفي تلك اللحظة، جاء المشرف في المتجر الكبير، وقال للفتاة التي تقف أمام الصندوق: «حان وقت فرصة الغداء، سوف تقوم ديبي باستلام الصندوق مكانك». وعلى الرغم من كل الضجيج، لم يلاحظ المشرف شيئاً، كان هذا يحدث بسبب الوقت الذي تمنحه (السماء)، التي تحدد لنا جميعاً وقتاً لتناول الغداء. نهضت الفتاة من مكانها وقامت الموظفة الأخرى التي تدعى ديبي باستلام مكانها أمام الصندوق. وفي أقل من خمس دقائق كانت دي دفعت قيمة الفاتورة، ورتبت أغراض التسوق. وأثناء خروجها، التقت الزبونة الغاضبة، وسمعتها تقول: «أنت امرأه محظوظة!».

فأجابتها: «ربما، أو ربما أنت اخترت التصرف بشكل سلبي، فاستغرق الأمر وقتا طويلا، وفضلت أن ابتعد عن حالة نفاذ الصبر التي تمرين بها، وأن استمتع بوقتي، أتدرين أمرا آخر؟ أنا لم يسبق لي أن لاحظت أبداً شيئا يعد جزءاً من واقعي، فالوقت الذي كنت انتظر فيه كان أيضاً وقتاً لي لأتفهم جانباً من جوانب حياتي».