الكثير من الناس الذين سيتصدون لتفسير وجودنا على الأرض بالتفصيل،

فلا تصدقهم، ذلك أن هؤلاء الناس لا يزالون مسجونين

في اللغة القديمة.

 

أضع بين يدي القارئ هنا مقتطفات من حوارات أجريتها مع معلمي في الفترة من عام ‬1982 إلى عام ‬1986.

سألت معلمي: ما الذي نفعله على هذه الأرض؟

رد معلمي قائلا: «بأمانة؟ لست أدري، لقد بحثت عن وجود عن هذا السؤال في أركان عدة وفي أماكن مضيئة ومظلمة، وأنا مقتنع اليوم بأنه ما من أحد يعرف الرد على هذا السؤال».

قلت لمعلمي: «هذه ليست إجابة جيدة تليق بمعلمي»

رد معلمي: «إنها إجابة صريحة، ونعرف الكثير من الناس الذين سيتصدون لتفسير سبب وجودنا على الأرض بالتفصيل، فلا تصدقهم، ذلك أن هؤلاء الناس لا يزالون مسجونين في اللغة القديمة، وهم لا يؤمنون إلا بالأشياء التي لها تفسير».

قلت: «هل يعني ذلك أنه ليس هناك سبب للعيش؟»

قال: «إنك لم تفهم ما قلته، لقد قلت إنني لا أعرف السبب، ولكن هناك بالطبع سببا لوجودنا، والله يعرف هذا السبب».

واصلت حديثي: «لماذا لا يكشف لنا النقاب عنه؟»

قال معلمي: «إنه يكشف النقاب عنه لكل واحد منا، ولكن بلغة لا نتقبلها أحيانا، لأنها ليست لغة منطقية، ونحن أكثر اعتيادا على الوصفات والصياغات، ونحن في قرارة أنفسنا نعرف سر وجودنا، ومن يصغون إلى أفئدتهم يتبعون الإشارات ويعيشون أساطيرهم الخاصة، ويدركون أنهم يشاركون في شيء ما، حتى ولو لم يكونوا يتفهمونه على نحو عقلاني. ويشير العرف إلى أنه في اللحظة التي تسبق موتنا ندرك السبب الحق لوجودنا، وفي هذه اللحظة يولد الجحيم والفردوس».

قلت لمعلمي: «لست أفهم ذلك».

قال: «الجحيم في هذه اللحظة، على وجه الدقة، هو النظر إلى الوراء ومعرفة أننا قد أهدرنا فرصة للتحليق عاليا بمعجزة الحياة، أما الفردوس فهو أن تكون قادرا على أن تقول في هذه اللحظة: «لقد ارتكبت بعض الأخطاء ولكنني لم أكن جبانا، لقد عشت حياتي وقمت بما تعين علي فعله، والجحيم والفردوس سوف يطارداننا لوقت طويل ولكن ليس للأبد».

سألت معلمي: «كيف يمكنني أن أحدد ما إذا كنت أعيش الحياة التي يفترض بي أن أحياها؟»

قال معلمي: «إذا كنت تشعر بالحماس بدلا من المرارة هذا هو الفارق الوحيد، أما فيما يتعلق بما تبقى فإننا ينبغي أن نحترم اللغز، وأن نتقبل بتواضع أن السماء حددت لنا مسارا سخيا يمضي بنا قدما، ويبرر ذلك الملايين من النجوم، الكواكب، الثقوب السوداء الخ... التي نراها هذا المساء في أوسلو». (كنا في النرويج في ذلك الوقت).

قلت: «من الصعب للغاية أن نعيش دون تفسير».

قال معلمي: «هل يمكنك أن تفسر لماذا يحتاج الناس إلى أن يمنحوا الحب ويتلقوه؟ لا، وأنت تتعايش مع ذلك، أليس كذلك؟ إنك لا تتعايش مع ذلك فقط، ولكنه أيضا الأمر الأكثر أهمية في الحياة أي الحب، وليس هناك تفسير لذلك».

واصل معلمي: «الأمر نفسه ينطبق على تفسير الحياة فليس هناك تفسير، ولكن هناك سببا لوجودنا هنا، وعليك أن تكون من التواضع بحيث تتقبل ذلك. ثق بكلماتي، فحياة كل كائن بشري لها معنى، وذلك على الرغم من أننا نرتكب خطيئة قضاء جانب طويل من حياتنا على الأرض ساعين وراء إجابة بينما ننسى أن نعيش».

تابع معلمي: «يمكنني أن أقدم لك مثالا من وقت اقتربت فيه من فهم ذلك كله. فقد كنت في اليوبيل الذهبي لمدرستي الثانوية، وهناك في تلك المدرسة درست عندما كنت في سن المراهقة، ووجدت الكثير من الأصدقاء، ومضينا نتسامر، وألقينا النكات ذاتها التي كنا قد سمعناها قبل نصف قرن.

وعند لحظة معينة تطلعت إلى فناء المدرسة، وحينئذ رأيت نفسي طفلا ألهو مع أصدقائي وأتطلع إلى الحياة باندهاش وتركيز، وفجأة بدا أن ذلك الطفل الذي كنته يكتسب قوة، ويشرع في الدنو مني، وحدق في عيني وابتسم. عندئذ فهمت أنني لم أخن أحلام طفولتي، وأن الطفل الذي كنته يوما لا يزال فخورا بي، وأن السبب نفسه الذي حباني العيش طفلا يبقيني حيا في قرارة فؤادي».

خلص معلمي إلى القول: «عليك بالسعي للعيش بالزخم نفسه الذي كنت تسعى به عندما كنت طفلا، إن الطفل لا يطلب تفسيرات، وإنما هو يغوص في كل يوم كما لو كان مغامرة مختلفة، وفي الليل يغفو متعبا وهانئا».